منهج سياسى للإصلاح المالى والاقتصادى - إبراهيم عوض - بوابة الشروق
الأربعاء 19 يناير 2022 6:56 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما هي توقعاتك لمشوار المنتخب المصري ببطولة إفريقيا؟


منهج سياسى للإصلاح المالى والاقتصادى

نشر فى : السبت 10 سبتمبر 2016 - 9:30 م | آخر تحديث : السبت 10 سبتمبر 2016 - 9:30 م
المعترضون على اتفاق الحكومة المصرية مع صندوق النقد الدولى وعلى البرنامج المالى الذى التزمت الحكومة به ضمانا لتنفيذ الاتفاق، والمتحفظون عليهما، لا يجادل أحد من بينهم فى أن حالة المالية العامة فى مصر لا يمكن السكوت عليها وفى أنها من الأسباب الرئيسية لعرقلة أى جهود تبذل للتقدم على طريق التنمية. ألا تترك خدمة الدين العام، ونفقات دعم السلع الغذائية والطاقة، وأجور العاملين فى الدولة، غير نحو ربع الإنفاق العام لكى تضطلع الدولة بجميع وظائفها وضع شاذ لا يمكن قبوله لأنه يعرض الاقتصاد لانهيار لا فكاك منه والشعب لأخطار هائلة فى مستقبله.

أهداف «الإصلاح» إذن لا خلاف عليها. إن كان الأمر يتعلق بالوصول إلى تخفيض نسبة الدين العام فى الناتج المحلى الإجمالى، وكل من نسبة خدمة الدين العام والدعم وأجور العاملين فى الدولة فى الميزانية وفى الناتج المحلى الإجمالى فالاتفاق منعقد بين الجميع. الخلاف بين الحكومة وبرنامجها «للإصلاح»، من جانب، والمعترضين والمتحفظين، من جانب آخر، ينصب على طريقة الخروج من البئر المظلمة التى سقطت فيها المالية العامة المصرية منذ عقود فى ظل دعة من الدولة وتقاعس عن رسم سبيل واقعى وبناء لوقف الانحدار فى البئر ثم الخروج منها.

حجة رئيسية للمعترضين والمتحفظين تكمن فى الاقتصاد السياسى للبرنامج المالى المتفق عليه. بالبرنامج اعتراف صريح بأن تكلفة «الإصلاح» يدفعها ذوو الدخول المنخفضة والمتوسطة. هذا واضح على جانبى النفقات والإيرادات العامة فى برنامج الحكومة. على سبيل المثال المعدلات المرتفعة لتخفيض الدعم ذات وقع ثقيل على أصحاب الدخول المنخفضة والمتوسطة لأن ما سينفقونه بديلا عن الدعم يمثل نسبة كبيرة من إنفاقهم، على خلاف الحال فيما يتعلق بذوى الدخول المرتفعة حتى وإن سلمنا جدلا بأن هؤلاء يستفيدون بالدعم كأرقام مطلقة بأكثر مما يستفيد منه أصحاب الدخول المنخفضة والمتوسطة. مثال على جانب الإيرادات هو أنه بعد تراجعها مرة بعد أخرى عن فرض ضرائب مباشرة على أصحاب المستويات العليا من الدخل، سواء بإلغاء هذه الضرائب أو بتجميدها أو بتخفيض أسعارها، اعترفت الدولة ضمنيا بعجزها عن التعامل معهم، ولجأت إلى فرض ضريبة غير مباشرة هى ضريبة القيمة المضافة على جميع المستهلكين. تقدم هذه الضريبة على أنها عادلة فمن يستهلك أكثر، وهم أصحاب المستويات العليا من الدخل، يسددون للدولة حصيلة أكبر من تلك التى يدفعها قليلو الاستهلاك من أصحاب الدخل المنخفض والمتوسط. مرة أخرى، المسألة فى النسبة التى تمثلها ضريبة القيمة المضافة على مختلف السلع والخدمات إلى مجمل إنفاق كل أسرة معيشية، وهى نسبة مرتفعة تهدد مستويات معيشة أصحاب الدخل المنخفض والمتوسط، على عكس الحال فيما يتعلق بمرتفعى مستويات الدخل. الحديث عن أن برنامج «الإصلاح» لن يمس «محدودى الدخل» والفقراء هو لغو لا ضرورة له ومضيعة لوقت من يتفوهون به لأنه لا ينطلى على أحد. أما برامج التضامن الاجتماعى للتصدى للفقر فهى مشكورة ولكنها تقتصر على التخفيف من آثار بعض أعراضه لدى عدد محدود من مدقعى الفقر ولكنها عاجزة عن تخفيض نسبة الفقراء فى مجموع السكان، ناهيك عن التصدى لأسباب «إنتاج» الفقر نفسه.

ليس فيما ورد أعلاه عن آثار تخفيض الدعم وما سبقه عن أنه لا بد من تخفيض نسبة هذا الدعم فى الميزانية وفى الناتج المحلى الإجمالى تناقض بالضرورة. المسألة تتعلق بطريقة تخفيض هذا الدعم وإيقاعها، من جانب، وبالسبيل إلى رفع حصيلة الإيرادات العامة، من جانب آخر. بعبارة أخرى، المسألة تكمن فى السياسة المتبعة وهو ما ينطبق أيضا على أجور العاملين بالدولة وعلى خدمة الدين العام.

***

هل يمكن حقا رسم سياسة وتنفيذ برنامج ينخفض بنسبة الدين العام إلى الناتج المحلى الإجمالى بمقدار 10 فى المائة فى خلال ثلاث سنوات وذلك بتخفيض عنيف فى الإنفاق على الدعم والأجور وبرفع مستوى الإيرادات عن طريق زيادة حصيلة الضرائب غير المباشرة، وتخصيص هذه المؤسسات أو تلك، والاتجار فى الأراضى التى تملكها الدولة نيابة عن الشعب مع ما لهذه الإجراءات مجتمعة من آثار توزيعية وتضخمية وتشويهية لبنية الاستثمار والاقتصاد؟ هل هذه أهداف مطلوبة اقتصاديا واجتماعيا والدولة لا تحصل من الصندوق للمساعدة على تحقيقها إلا على قرض على ثلاث سنوات يبلغ 12 مليار دولار تمثل 3.6 فى المائة من الناتج المحلى الإجمالى لمصر، أى بقدار 1.2 فى المائة سنويا، مشروطا بنجاحها فى تعبئة ستة مليارات أخرى من مصادر مختلفة؟ التساؤل يثور: لماذا لا نتفاوض على فترة أطول لتنفيذ برنامج «الإصلاح»، ولتكن ما بين ست وعشر سنوات، تمكن من الحد من العنف فى التخفيض النسبى للإنفاق ولزيادة الإيرادات، ومادمنا نقترض، فلماذا لا يرتفع مقدار القرض ارتفاعا ملموسا ليذهب مقدار الارتفاع إلى تنفيذ برنامج للإنعاش الاقتصادى؟ لاحظ أن برنامج «الإصلاح» فى اليونان المنكوبة يمتد لثمانى سنوات. حالة المالية العامة فى مصر فريدة فى نوعها فى العالم أجمع وهى تستحق تماما برنامج إصلاح ممتد. برنامج الإنعاش الاقتصادى من شأنه زيادة حجم الناتج المحلى الإجمالى وبالتالى عدم الاعتماد فى تخفيض نسبة الدين العام إلى الناتج المحلى على مجرد تخفيض الإنفاق أو زيادة الإيرادات بالطرق المذكورة أعلاه. المقدار الإضافى للقرض ينبغى أن يذهب إلى تشغيل المصانع المتوقفة عن العمل ورفع كفاءتها، وإلى رفع إنتاجية الزراعة عن طريق مد شبكة الصرف المغطى للأراضى الزراعية بين إجراءات أخرى، وإلى الإصلاح الشامل للسياسة التعليمية، وإلى رسم وتنفيذ سياسة للتشغيل على كل من جانبى العرض من قوة العمل والطلب عليها والربط بين هذه السياسة والطلب الداخلى والخارجى على السلع والخدمات. بدون الشق الاقتصادى، والمتمثل فى جهود ملموسة للتنمية، فإن البرنامج قصير الأجل يصبح مجرد عنف من جانب الدولة. المواطنون يمنحون الدولة حق ممارسة العنف تجاههم، وهو ما يجعله عنفا مشروعا، ولكن لهذه المشروعية شروطها، وهم يستطيعون التعبير عن سحبهم لهذه المشروعية من الدولة، بشكل جزئى أو كامل، فماذا هى فاعلة عندئذ؟
***

قبل التفاوض مع صندوق النقد الدولى كان الأمر يحتاج إلى مؤتمر اقتصادى حقيقى يجمع الحكومة، ودوائر الأعمال، والممثلين الفعليين للعاملين فى الدولة ولعمال وموظفى القطاع الخاص، للتفاوض الداخلى بشأن الخروج من البئر المالية التى سقطنا فيها، وليس مؤتمرا للإعلان عن الاستثمارات والمشروعات كذلك الذى انعقد فى مارس 2015. مثل هذا المؤتمر الاقتصادى الحقيقى ربما ينعقد على مدى أسابيع أو حتى شهور وهو لن يكون سهلا خاصة فى بداياته لأنه فى جوهره مؤتمر سياسى فى بلد غير معتاد لا هو ولا الفاعلين فيه على السياسة. الفاعلون، فى نهاية الأمر، يدافع كل عن مصالحه، وهو الشىء المشروع تماما، ولكنهم عقلاء ومخلصون وسينتهون ولو بعد عناء إلى الاتفاق على برنامج متوسط الأجل عادل قدر الإمكان وواقعى، برنامج يلتزمون به ويحقق فعلا الإصلاح المالى والاقتصادى المنشود.

كل من الأفرقة المتفاوضة كان لا بد أن يحضر الأوراق التى تساند مواقفه، ولكن كان ينبغى أيضا قبل انعقاد المؤتمر السياسى للإصلاح الاقتصادى إعداد الدراسات عن مختلف موضوعات الإصلاح وآثاره. على سبيل المثال، ما هو عدد العاملين المطلوبين فى الجهاز الإدارى للدولة لكى تضطلع بوظائفها تجاه المواطنين بكفاءة، بدلا من الكلام المرسل عن تضخم هذا الجهاز بالملايين؟ ما هى معدلات نمو الكتلة النقدية والتضخم المقبولة اقتصاديا واجتماعيا؟ ما هى أسعار الضرائب المباشرة وغير المباشرة وما هى معدلات نمو الإنفاق العام وبنيته التى تحقق النمو الاقتصادى وتكفل عدالة توزيع تكاليفه وثماره؟
***

هل فات أوان مثل هذا المؤتمر تماما؟ مازال المجال متاحا لعقده وصندوق النقد الدولى لا يستطيع أن يرفض إعادة النظر فى الاتفاق المبرم مع مصر إذا تقدمت الحكومة إليه ببرنامج مقبول ومتفق عليه من قبل جميع أطراف النشاط الاقتصادى.

هذه مقاربة سياسية لعملية الإصلاح المالى والاقتصادى، وهى مقاربة لا غنى عنها لكى تنجح العملية. هذه مقاربة تتزود بقوة من يشتركون فيها ويصلون للاتفاق طواعية وإن بعد خلافات وعناء، وهى على عكس إدارة الاقتصاد والبلاد بالتعليمات الفوقية والأوامر، وهى الوسائل التى تفتقر بطبيعتها إلى الخيال وتستخدم القوة سبيلا وإن افتقرت هى إلى القوة على خلاف ما يظنه مصدرو التعليمات والأوامر.

السياسة ليست حلا، ولكنها منهج يتبع للتصدى لمشكلاتنا العديدة، بما فيها المالية والاقتصادية منها.


أستاذ السياسات العامة بالجامعة الأمريكية بالقاهرة

الاقتباس
قبل التفاوض مع صندوق النقد الدولى كان الأمر يحتاج إلى مؤتمر اقتصادى حقيقى يجمع الحكومة، ودوائر الأعمال، والممثلين الفعليين للعاملين فى الدولة ولعمال وموظفى القطاع الخاص، للتفاوض الداخلى بشأن الخروج من البئر المالية التى سقطنا فيها.
إبراهيم عوض أستاذ السياسات العامة بالجامعة الأمريكية بالقاهرة
التعليقات