الحياة داخل البؤرة - سور برلين وأنا (6) - حسام السكرى - بوابة الشروق
الإثنين 16 ديسمبر 2019 4:22 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل توافق على سن قانون جديد لمكافحة الشائعات وتشديد عقوبة مروجيها؟

الحياة داخل البؤرة - سور برلين وأنا (6)

نشر فى : الأحد 10 نوفمبر 2019 - 5:05 ص | آخر تحديث : الأحد 10 نوفمبر 2019 - 5:05 ص

طرقت الباب أكثر من مرة. مشتلد ليست في المنزل. صعدت للطابق الثاني حيث كنت أعيش مع الصديقتين: بيئاته وأنتيا. انتقلت لمنزلهما بعد انتهاء منحة حصلت عليها من معهد جوتة لدراسة الألمانية في برلين.

بعد معرض الكاريكاتير الذي أقمته في معهد جوتة عام 87 بعنوان "الهروب من الإطار"، تركت مصر إلى فنلندا لأبدأ تجربة غربة بدأت من حينها وحتى اليوم. هناك جاءني خبر ترشيحي للمنحة من قبل السيدة هاينلي مديرة البرامج الثقافية. وفهمت أن السبب هو نجاح المعرض وندوة تطور الكاريكاتير المصري التي نظمتها للمعهد وكان أحد متحدثيها الصحفي والكاتب أحمد بهاء الدين.

أقمت فترة في شقة يؤجر غرفها للمعهد محام شاب اسمه كلاوس لنجرسدورف. انتهت منحة الشهرين فانتقلت للعيش في غرفة كانت تستأجرها في شقة الفتاتين صديقتي وزميلتي في المعهد كارول نيومان التي عادت إلى بريطانيا بعد الكورس.

قد يبدو غريبا ألا أتذكر اللحظة التي قررنا أنا ومشتلد أن نكون أصدقاء. ما انطبع في ذاكرتي هو ذلك اليوم الصيفي الذي كنت عائدا فيه إلى المنزل وإذا بفتاة تخرج من تحت سيارة متوقفة أمام الباب. يدان متسختان. جسد أقرب إلى النحافة. بنطال مترهل. قميص واسع تتناثر عليه بقع سوداء. وجه ملطخ بالشحم. شعر كستنائي قصير. كل هذا متوج بعينين خضراوين ضاحكتين، وابتسامة ساحرة بريئة. عرفت أنها جارتي وأخبرتني أنها تمكنت للتو من إصلاح عطل في سيارتها. كانت بسيطة بساطة آسرة. وقعت في الحب.

بعد فصل برلين الغربية أدركت حكومة ألمانيا الغربية أن المدينة مهددة بتناقص تدريجي في عدد سكانها. من ذا الذي يرغب في العيش في مدينة محاصرة داخل سور، تقع بكاملها داخل دولة معادية؟ من الذي يرغب في عبور الحدود مرتين كلما سافر خارج المدينة لدخول بلده وسط أجواء عسكرية صارمة؟! من يمكنه الاستمتاع بالسفر في طريق محاط بأبراج المراقبة والكلاب البوليسية والجنود المدججين بالسلاح؟ طريق لايسمح بتجاوز السرعة فيه لمئة كيلو متر في الساعة، ولو تعطلت سيارتك لأي سبب من الأسباب ستجد نفسك محاصرا بكتيبة عسكرية.

بدأت العائلات تنزح من المدينة فقررت حكومة الغرب إحالتها إلى نقطة جذب. رفعت مرتبات المقيمين فيها بكادر خاص لموظفي الدولة وبـ"علاوة برلين" وهي نسبة زيادة تقترب من عشرة في المئة لكل من يعمل في المدينة. عاشت المدينة أجواء ثقافية وفنية بمهرجانات ومؤتمرات لا تنقطع يدعى إليها فنانون وكتاب من كافة أنحاء العالم، وأصبحت بؤرة جاذبة للشباب من كل مكان، ومنهم مشتلد التي أتت من قرية في الجنوب بعد ان انتهت من دراستها للفنون التطبيقية، لتلتحق بالعمل في مكتب للإعلانات والتصميم الجرافيكي.

طرقت بابها أكثر من مرة لكنها لم تكن موجودة. عدت إلى غرفتي وأخذت أتأمل رسما كروكيا كاريكاتيريا انجزته هي كملصق دعاية لبعض منتجات الأسنان. كنت أريد أن أقترح عليها إضافة بعض علامات الحركة لتضفي حيوية على أشكال الجراثيم العابثة الشقية التي رسمتها تصول وتجول على اللوحة.

اقتربنا من منتصف الليل. نزلت للطابق الأول. طرقت الباب. لمحت ضوءا خافتا. فتحت لي مشتلد. سألتها بلهفة: أين كنت؟

أجابت دون أن تغادرها ابتسامتها: عبرت للشرق وانتظرتك. أيقنت أن شيئا ما قد حدث عندما لم تأت فتجولت في المدينة وحدي. تجربة مدهشة. مدينة لك بهذه الفكرة الرائعة. هذه أول مرة أعبر فيها إلى شرق برلين، لهذا قررت أن أبقى أطول وقت ممكن. أنا متعبة للغاية. هل أراك غدا؟

استدرت عائدا لشقتي وانا أتساءل: هل تحبني مشتلد كما أحبها؟

التعليقات