وما تايوان منا ببعيدة! - شيماء صلاح - بوابة الشروق
الأربعاء 21 أكتوبر 2020 7:27 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تساهم تعديلات قانون العقوبات الجديدة لتجريم التنمر في وقف وقائع الإساءة والإهانة في الشارع المصري؟

وما تايوان منا ببعيدة!

نشر فى : السبت 19 سبتمبر 2020 - 8:10 م | آخر تحديث : السبت 19 سبتمبر 2020 - 8:10 م


«تايوان ذهبت ولكنها ستعود» هذه هى آمال الصين عندما تنظر عبر مضيق تايوان، تايوان تلك الدولة التى تنظر إليها الصين كمقاطعة متمردة ستعود لكنفها يوما ما. جزيرة يختصم عليها عزم التوحيد الصينى وطموح الاستقلال التايوانى. الاستعمار وضع تايوان فى أيدٍ كثيرة قبل عودتها إلى حضن التنين الأحمر قبل نهاية الحرب العالمية الثانية. تايوان أو كما تعرف بـ«جمهورية الصين»، بينما تعرف الصين نفسها بجمهورية الصين الشعبية، هى عن جدارة النمر الآسيوى المتفوق اقتصاديا، لكنه منبوذ أمميا، ومارق فى أعين المارد الصينى، نموذج النجاح الاقتصادى والصمود السياسى والسعى للتميز التنموى، نمر متمرد فرض نفسه على الساحة الاقتصادية العالمية ضاربا عرض الحائط الرفض الأممى ومتفردا باقتصاد قوى بات نموذجا ثريا يحتذى به فى مسيرات التنمية الاقتصادية. كيف لمع نجم هذه الرقعة الصغيرة التى لا تتجاوز مساحتها ٣٦ ألف كيلومتر مربع فى أقصى جنوب شرقى آسيا حتى فرضت نفسها على الساحة الدولية دون اعتراف أممى بها؟! وما هو السر الذى يقبع خلف لقبها بالنمر الآسيوى حتى أضحت نموذجا يحتذى به فى الصعود الاقتصادى يصلح أن تسير عليه الدول الراغبة فى إكمال مسيرة التنمية وتحقيق طفرة تنموية شاملة؟!
***
فى مستهل الحديث، لابد من ذكر نزعة الخلاف السياسى بين الصين وتايوان، والتى بالرغم من استدامتها لعدة عقود إلا أن تايوان استطاعت أن تثبت قدميها وتقود عجلة التنمية وتواجه العالم بترسيخ جذورها الاقتصادية عبر نموذج تنمية ينطبق عليه إلى حد كبير مصطلح التنمية المستدامة والتى أصبحت هدفا معلنا لأغلب اقتصادات الدول الراغبة فى تحقيق التنمية فى الأجل القصير والمنظور وبشكل مستدام. فبينما تحيطها الصين بجميع الإجراءات والتدابير من أجل تأكيد مبدأ «صين واحدة»، يرى التايوانيون فى التقارب الاقتصادى صمام أمان لمنع عمل عسكرى صينى؛ إلا أنه مازال هناك تيارات تطالب بالاستقلال بينما يميل الأغلبية لحل وسط، أما الصين فتؤكد دوما أن قضية تايوان شأن داخلى للصين ولا تسمح بأى تدخل خارجى.
بعد الحرب العالمية الثانية انطلقت تايوان محققة نجاحا باهرا حتى أصبحت نمرا آسيويا ومثلا يحتذى به متخطية كل العقبات السياسية والاقتصادية وفرضت نفسها كدولة يحتاج إليها من حولها، مكنتها من نجاحها فى التمسك بقوميتها واستقلالها؛ حتى وإن كانت لا تزال لم تحظ بالاعتراف الكامل بها كدولة على نطاق أممى. فكانت كلمة السر وراء ذلك كله هى «النهضة والتنمية«؛ قدرة تنافسية على الابتكار، ترتيب عالمى، إنجاز رفيع المستوى عبر عدة مراحل كانت هى سبيل الوصول.
بدأت تايوان أول مراحل التنمية بخطوة استبدال الواردات، ثم تلتها بتوسيع الصادرات؛ خلالها تحولت تايوان من اقتصاد قائم على الزراعة إلى اقتصاد صناعى. بالطبع واجهت عددا من المشكلات الاجتماعية والاقتصادية؛ ولكن كانت القضية الأكثر أهمية هى فائض اليد العاملة فى الزراعة، وكان هذا سببا رئيسيا اتخذت الحكومة إثره قرارا استراتيجيا بالتركيز على الصناعة كثيفة العمالة من خلال إنشاء المناطق الصناعية بهدف التصدير لاستيعاب العمالة الزائدة. وبدأ الهيكل الصناعى وطنيا فى المقام الأول يتألف من عدد كبير من الشركات الصغيرة والمتوسطة الحجم التى تم إنشاؤها من خلال الأسر التى لديها مدخرات عائلية؛ رافقها حينها الطلب الأمريكى الناجم عن حرب فيتنام مما دعم أداءها التصديرى خلال تلك الفترة. ولو أسقطنا هذه المرحلة كبداية للتحول نحو التنمية لوجدنا أغلب الدول النامية اتجهت نحوها بل وأخذت الإجراءات الحمائية ووضعت حجر الأساس لهذه المرحلة الجوهرية فى مسيرة التنمية. بيد أن حتمية النجاح فى هذه المرحلة لا يعتمد على الاتجاه والإجراءات فقط؛ فليس استبدال الواردات هو الواجهة الأكثر ضمانا لعبور تلك المرحلة، بل طبيعة ونوعية الواردات والعائد من استبدالها مقارنة بالصادرات ونوعية الصناعات المستهدفة. وهو ما ركزت عليه تايوان فى المرحلة التالية «نوعية الصناعات». فى بداية السبعينات بدأت الحكومة تعزيز تطوير الصناعات الثقيلة والكيميائية. ثم اتجهت بعدها بصورة للإلكترونيات وصناعة التكنولوجيا الفائقة (1980ــ2000). وهو ما تناسب مع متطلبات الوضع الاقتصادى العالمى الجديد حيث الطلب واستهداف أسواق التصدير.
ففى بداية الثمانينات كانت الاتجاهات الاقتصادية العالمية ــ وأهمها المنافسة المتزايدة من الدول النامية الآسيوية مثل إندونيسيا وماليزيا وتايلاند والبر الرئيسى للصين ــ للحصول على حصة سوق تايوان لمنتجات التصنيع منخفضة التكلفة هو ما ضغط الصناعة التايوانية للتغيير. توصل حينها المسئولون الحكوميون إلى إجماع استراتيجى لتطوير الصناعات التى تنتج سلعا ذات قيمة مضافة عالية؛ فلم تعد الصناعات الكثيفة الاستخدام للعمالة هى الدعامة الأساسية للقطاع الصناعى، وتم استبدالها تدريجيا بالصناعات التى تعتمد على التكنولوجيا وكثافة رأس المال. بدأت «مرحلة الثورة الصناعية» حينما حددت الحكومة التايوانية «بعض الصناعات الاستراتيجية» التى شعروا أن لديها إمكانية جيدة لإنتاج سلع ذات قيمة مضافة عالية للصادرات؛ وهى صناعات الهندسة الميكانيكية والإلكترونيات الحاسوبية. ولاستهداف تنمية هذه الصناعات، أنشأت الحكومة تمويلا لرأس المال الاستثمارى، ومولت مشاريع بحث وتطوير رفيعة المستوى، وقدمت مساعدة إدارية وتسويقية تفصيلية. فى عام 1981 تم تأسيس المجمع الصناعى القائم على العلوم ــ يمكن اعتبار ذلك بمثابة إطلاق للتطور المذهل لصناعات التكنولوجيا الفائقة فى تايوان. جذبت إقامة هذه الحديقة الصناعية ذات التكنولوجيا الفائقة العديد من الصينيين المغتربين ذوى المهارات العالية للعودة إلى تايوان، وكانت خبرتهم التكنولوجية مؤثرة فى تطوير صناعات الإلكترونيات وتكنولوجيا المعلومات فى تايوان.

***
بالتبعية كان من المنطقى خلال هذه المراحل المستهدفة للتنمية أن تدعمها الحكومة التايوانية بحزمة من الحوافز من خلال السياسة المالية والنقدية. بالنسبة للسياسة النقدية والتخصيص: كان جزءا مهما من السياسات الصناعية لتايوان هو اتجاه الائتمان إلى «الصناعات الاستراتيجية»؛ مما استلزم تخفيض أسعار الفائدة، وقد أدى قمع أسعار الفائدة إلى خلق فائض فى الطلب على الائتمان وكان للبنوك التجارية المملوكة ملكية عامة حصة كبيرة من ودائع النظام المالى. تم ترشيد هذه الأموال وتوجيهها بناء على طلب الحكومة من البنوك بتقديم نسبة من قروضها على وجه التحديد للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة. أيضا، كان هناك العديد من برامج الائتمان الموجهة إلى الصادرات، وتم تخصيص الائتمان المدعوم فى الغالب على أساس الأداء فى الماضى. كما لعبت بنوك التنمية الصناعية دورا هاما يتمثل فى تسهيل الحصول على الائتمان للمنتجين كثيفى رأس المال والتكنولوجيا ومشروعات التنمية الصناعية فى «الصناعات الاستراتيجية». وكانت إحدى السياسات الأكثر تطرفا التى حرضتها الحكومة لمنع سوء الخدمات المصرفية فى بنوك التنمية الصناعية هى فى الواقع جعل الإقراض لغير المنفذ جريمة جنائية، فرضت على موظفى القروض فى بنوك التنمية (وفقا لبيانات البنك الدولى 1993: 257).
أما بالنسبة للسياسة المالية: فإن الاقتصاد التايوانى واجه عدة عثرات خلال مراحل التنمية والنهضة. فمن عام 1950 إلى عام 1962، عانت الحكومة التايوانية من عجز فى الميزانية نتج فى المقام الأول عن الإنفاق الدفاعى العالى وبرامج إعادة توطين اللاجئين المكلفة ومشاريع إعادة الإعمار بعد الحرب وانخفاض الإيرادات. وقد تم تمويل العجز بشكل رئيسى من المساعدات الأمريكية. من عام 1964 إلى عام1986، باستثناء عام1982، شهدت الحكومة التايوانية وفورات ضخمة فى الميزانية التى بنيت على زيادة هائلة فى الإيرادات الحكومية التى ساهم فيها الاقتصاد المتنامى بسرعة. مما يعنى أن الدول النامية يمكنها أن تنجح إذا ما وظفت المساعدات والمنح والقروض جيدا فى استهداف عملية التنمية إذا ما وجهتها إلى عملية التصنيع والتوسع التصديرى. وبالتبعية تزداد الإيرادات الناتجة ويتم توظيفها مرة أخرى فتسارع من وتيرة التنمية.
***
مسيرة نهضة بدايتها تخصيص الموارد والاتجاه للتنمية عبر مراحل متتالية تتناسب مع طبيعة البلد وموارده، ثم الاتجاه نحو الصناعات الاستراتيچية التى تواكبت مع التقدم والمتطلبات الدولية، والاهتمام بالتعليم والتدريب والبحث العلمى حتى أصبحت قوة اقتصادية؛ اقتصاد ناضج ومتنوع، ووجود قوى فى الأسواق الدولية واحتياطيات ضخمة من العملات الأجنبية. حصلت تايوان على المركز الثانى عشر من بين 141 اقتصادا فى تقرير التنافسية العالمية لعام 2019، وفقا لتقرير صادر عن المنتدى الاقتصادى العالمى. ازداد التكامل الاقتصادى بين تايوان والبر الرئيسى للصين بوتيرة سريعة. هذا وتعد الصين الآن أكبر شريك تجارى لتايوان، بينما تعد تايوان سادس أكبر شريك تجارى للصين، فباتت الخصم والحكم. هذه هى النماذج التى تعلق عليها الدول النامية آمالها وطموحاتها والتى أثبتت أن التصنيع التنموى هو السبيل الوحيد نحو التنمية والتقدم الاقتصادى. لذا فمن نافلة القول أن تحتذى الدول الراغبة فى التنمية بهذه النماذج بما يتوافق مع أوضاعها وأن نبدأ من حيث انتهى الآخرون، وما تايوان منا ببعيدة.
باحثة اقتصادية

شيماء صلاح باحثة اقتصادية
التعليقات