ميلودراما حسن الإمام - داليا شمس - بوابة الشروق
الأربعاء 10 أغسطس 2022 10:23 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

بعد سلسلة انتصارات الفارس الأبيض.. برأيك من بطل الدوري العام ؟

ميلودراما حسن الإمام

نشر فى : السبت 25 يونيو 2022 - 7:40 م | آخر تحديث : السبت 25 يونيو 2022 - 7:40 م

نشعر فى أحيان كثيرة أننا فى فيلم من إخراج حسن الإمام، والجمهور تصيبه الدهشة بالحول ويمص أصابعه وهو جالس فى مقاعده، مستغرقا فى الفواجع والقصص التى يتفاعل معها ليختبر مشاعره. عُرِف عن حسن الإمام (1919ــ 1988) أنه قادر على تحويل أى نص إلى ميلودراما شعبية، لذا كانت أفلامه دائما تحقق إيرادات ضخمة، رغم هجوم النقاد فى بعض الأوقات. كان يفهم نفسية واحتياجات الشعب المصرى وديناميات التأثر الجماعى، وفى ذات الوقت لديه أفكاره وقناعاته الخاصة التى يتناولها فى أفلامه، ومن بينها اهتمامه بقضية المرأة المغلوبة على أمرها وظلم المجتمع لها، وكذلك قصص صعود وهبوط الراقصات والمغنيات اللائى ارتبطن برجال السياسة وأشخاص فى قمة الهرم الاجتماعى.
نجح من خلالهن أن يرصد مراحل من التاريخ ويخلق واقعا مصريا، قد نتندر عليه اليوم أو نراه مبالغا فيه، إلا أننا نشهد فجأة مواقف مماثلة فى الحياة ونتوقف عندها ونقول إنها شبيهة بأفلام حسن الإمام الذى امتحنته الحياة مبكرا وأدرك بواطن عالم الليل وعايش أحداث شارعى محمد على وعماد الدين فى عزهما.
•••
تلقى تعليمه فى مدرسة الفرير، لكنه اضطر إلى العمل فى سن السابعة عشرة، بعد وفاة والده لتعرضه لخسائر مادية ضخمة فى تجارته. اشتغل كمترجم لإجادته للغتين الفرنسية والإنجليزية وعشقه للقراءة والفن منذ الطفولة، إذ كان يحضر معظم عروض الفرق المسرحية التى تأتى إلى المنصورة، مسقط رأسه، ويشاهد أعمال جورج أبيض وفاطمة رشدى وعلى الكسار. وبالتالى بدأ حياته العملية بترجمة نصوص ومونولوجات من الفرنسية إلى العربية وتقديمها للفرق المسرحية التى تعمل فى القاهرة. تتلمذ بعدها على يد يوسف وهبى الذى اشتغل معه كمساعد فى المسرح ثم السينما واكتسب منه خبرة اختيار قصصه وكيف يكون قائدا فى البلاتوه. كما عمل مساعدا للعديد من المخرجين مثل نيازى مصطفى، أستاذه فى الإخراج كما قال عنه.
بداية مشواره كمخرج سينمائى كان فيلم «ملائكة جهنم» عام 1946، ومن بعدها توالت الأعمال التى تجاوز عددها المائة بقليل، من بينها ثلاثة وردوا على قائمة أفضل أفلام السينما المصرية، وهى: «الخطايا» (1962)، «بين القصرين» (1964)، «خلى بالك من زوزو» (1972).
تميز بأفلام الميلودراما التى تستدر عطف المشاهدين وتستدعى دموعهم. نتابع مثلا قصة حب بين فتاة فقيرة وشاب ثرى، ويتعاطف الجمهور مع الفتاة وتحل المفاجآت حتى تأتى النهاية السعيدة والعبرة، على غرار الميلودراما الرومانسية عند هوجو وموسيه. وفى أحيان أخرى نكون على موعد مع نوع من الميلودراما يهدف إلى النقد الاجتماعى ويعتمد على إثارة الانفعالات وعلى الشخصيات النمطية والمبالغة فى التعبير عن المشاعر والحيل والمخططات الشريرة، وننال نصيبنا من الدروس والعظات والخطب الطويلة.
•••
أفلام وصلت إلى الناس بسهولة لموضوعاتها الإنسانية ونزعتها الأخلاقية، صراع مكثف ومبسط بين الخير والشر، لا يخلو من «الكليشيهات» أو التنميط والتركيبات النفسية البدائية بعض الشىء، فالميلودراما الجيدة يجب أن تحتوى على ثلاثة عناصر أساسية: ضحية (غالبا من النساء)، ابتلاءات إلهية ومغامرات أحيانا غير منطقية، معالجة درامية تستدر الشفقة والتعاطف. وهو ما نجده فى معظم أفلام حسن الإمام بمراحله المختلفة، سواء أفلام الأربعينيات والخمسينيات مع فاتن حمامة وغيرها من النجمات، أو الأعمال المقتبسة عن نجيب محفوظ فى الستينيات أو الأفلام الاستعراضية والغنائية فى السبعينيات، فقد أخرج «خلى بالك من زوزو» بعد عدة سنوات من الانقطاع لظروف الإنتاج عقب هزيمة 67، وبعد نجاحه الباهر كرر التجربة فى «أميرة حبى أنا» المأخوذ عن قصة من قصص «المرايا» لنجيب محفوظ، أعدها سينمائيا ممدوح الليثى وصلاح جاهين.
حكاية الحب بين الموظفة اللطيفة ومديرها الوسيم الذى يعانى بسبب زواجه من ابنة رئيس الشركة التى يعمل بها تكشف عوار المجتمع ورياءه. نراقب سلوكيات الموظفين وصفاتهم الوضيعة وتغير مواقفهم بين ليلة وضحاها بحسب مصالحهم وكيف يساقون كالقطيع وتتحكم فيهم مشاعر الغيرة والازدواجية، ونلاحظ كيف يمكن أن نراها حتى اليوم فى أى مصلحة حكومية، كذلك هى التفاصيل الدرامية لفيلم «حكايتى مع الزمان» أو «خلى بالك من زوزو» رغم خفتهما الظاهرة.
يميل البعض للبكائيات و«الصعبانيات» وخلق قصص من فراغ، ربما لإضافة القليل من الإثارة إلى حياتهم المملة أو البائسة. يحاولون جذب الانتباه بافتعال الأزمات ولعب دور الضحية. يصنعون جلبة حولهم دون داعٍ، لكنها فى الواقع تعكس خواء داخليا. نقابل فى حياتنا العديد من هؤلاء، وحسن الإمام كان يجيد لمس هذا الجانب فينا، يوقظ «مَلِكة الدراما» بداخلنا ويجعلها تخرج للنهار فى أروع أدوارها. يكون الناس أحيانا فى حاجة إلى الميلودراما لتفريغ شحنات من المشاعر، وتزداد هذه الحاجة لدى شعوب بعينها فى مراحل بعينها، وهو ما يبرر ظهور ونجاح الميلودراما فى السنوات التى تلت الثورة الفرنسية مباشرة، قبل قرنين من الزمان، فالجمهور كان قد تعود على أجواء المؤامرات والمقاصل والمعارك، ويفضل أن يحيا فى ظروف شبيهة بشرط أن ينتصر الخير فى النهاية، وفى مصر أيضا النزوع إلى الميلودراما له ما يبرره فى الواقع.

التعليقات