مكالمة من فنانة ملتزمة وخائفة - خالد محمود - بوابة الشروق
الإثنين 26 أكتوبر 2020 11:54 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تساهم تعديلات قانون العقوبات الجديدة لتجريم التنمر في وقف وقائع الإساءة والإهانة في الشارع المصري؟

مكالمة من فنانة ملتزمة وخائفة

نشر فى : الجمعة 29 يونيو 2012 - 8:50 ص | آخر تحديث : الجمعة 29 يونيو 2012 - 8:50 ص

جاءت نبرات صوتها عبر التليفون حزينة.. يائسة.. كانت كلماتها تصرخ بالخوف، وأنفاسها تكسوها الريبة من قادم الأيام.

 

حكت لى الفنانة الملتزمة المتألقة التى تلتزم بالحجاب عن موقف تعرضت له مؤخرا وهى فى أحد المولات للتسوق.. كشفت كيف قابلتها أسرة رجل ملتحى وامرأته منتقبة وقالت لها سوف تتوبون عما تقدمونه.. سوف نجبركم على ألا تعودوا لهذه الأعمال الفنية التى تظهرون بها.. سوف نعلمكم الأدب!!

 

وبدهشة واستغراب ونبرة صوت أعلى أضافت لى «تصور أنا الفنانة المحجبة التى تقدم أدوارا أشاد بها النقاد وأكدوا أنها لنماذج اجتماعية مهمة يقولون لى هنعلمكوا الأدب».. أمال زميلاتى هيعملوا إيه.. «إننى حقا حائرة.. قلقة».

 

هدأت صديقتى الفنانة وقلت لها: إننى أحترم مخاوفك.. لكنى عهدتك دائما صامدة ومدافعة عن فكرك ونهجك وعهدتك أنكِ لم تقدمى أى تنازلات نتيجة أى ضغوط.. فاكرة لما قررت أن تتحجبى كم واجهت من انتقادات وصعوبات..

 

وتغلبت عليها بموهبتك وفنك وقدرتك على التمييز وانتقاء أدوارك.. بل وكنت مسار تقدير المشاهدين.

 

لم أترك صديقتى الفنانة وننهى المكالمة إلا وبداخلها شعور بأن الخوف لا مجال له، وأنه سيذوب بالانشغال بمواصلة المشوار والأعمال والشخصيات والأدوار التى يتفاعل معها الناس.. تطيب بخاطرهم من قسوة الزمن تارة، وتنتقم لهم ممن يعبث بالأيام تارة.. توجههم مرة وتبهجهم مرة أخرى، تحفزهم تحرضهم تحول الساكن بداخلهم بركانا يتفاعل وينتقد ويؤثر ويغير ويتغير.. وهو دور بحق لا يقدر عليه أحد أفضل من الفنان عندما يرتدى حالة إبداعية خالصة ومخلصة.

 

نعم صديقتى لا مجال للخوف من قادم الأيام تحت حكم التيارات الإسلامية.. بل وربما تكون الأحاسيس المتناثرة والمشاعر المتناقضة والرؤى المتشابكة من الواقع والغد هى أفضل محفز على التركيز فى تقديم أعمال قوية المضمون، ملهمة العزيمة، ربما سنرى أعمالا فنية سواء فى السينما أو الدراما تفوق إنتاج مراحل سابقة والتى كان معظمها بلا شك رهينة لسوق التسالى ويعمل لتوجهات سياسية بعينها.. ولسوق النفاق للنجوم.. ولسوق الضحك على الدقون، ولسوق نهّازى الفرص.. وهذا لا ينفى أنه كانت بالمراحل إياها تجارب جيدة وأفكار مبتكرة ونماذج مختلفة أصر أصحابها أن يسيروا عكس التيار ويتمسكوا بحدودهم الفنية دون تنازلات.

 

لكننى أعود وأقول إن مراحل القلق والحيرة السياسية الكبرى التى يشهدها المجتمع ربما توحى بنماذج فنية وإبداعية ذات قيمة تشهدها الأيام القادمة.. وربما تكون بمثابة ثورة من أجل البقاء ولحرية إبداع.. وتيارات وموجات فنية جديدة أكثر انفتاحا وجراءة وتحفيزا.

 

نعم.. كانت كلمات صديقتى الفنانة موحية بأن هناك من أصبحوا أكثر جرأة فى انتقاد الفن والفنانين بلا سبب سوى أنهم يرون هذا الإبداع غير شرعى، والواقع أن النموذج المتشدد مثل الذى واجهته الفنانة جعل بعض الفنانين فى حالة قلق خاصة فى تلك الفترة الحرجة، وأن هناك محاولة لتحجيم الفن والسيطرة على الفكر والإبداع.

 

والواقع أن مثل هذه النماذج المتشددة خرجت وتصرفت بصوت عالى لشعورها بأنها تحت سقف يحميها وسيادة تصون أفكارها، وهم واهمون لأننى أعتقد أن هذه السيادة لن ترضى أبدا أن يتم تصويرها على أنها ضد حرية الإبداع وضد الفن ولن ترضى أن تكون سندا لهؤلاء الذين يخيفون الفنانين بتوجيه رسائل مباشرة وغير مباشرة.

 

ولن ترضى أبدا هذه السيادة أن تقف صامتة دون توضيح موقفها ورؤيتها من مستقبل الإبداع والفن فى ظل نظامها، لأن هذا الصمت ربما يجعل الشكوك يقينا «وهو ما جعل جبهة الإبداع توجه رسالة إلى السيد الرئيس المنتخب د.محمد مرسى يطالبون فيه بتوضيح موقفه من الفن والإبداع فى مصر».

 

وجاء فيه «بما أننا من المفروض أن نحيا عصرا من الشفافية فدعونا نتخلص من الحساسية ونتحدث فيما يخش الكثير التحدث فيه صراحة.. كانت أحد هواجس الكثيرين من صعود تيار الإسلام السياسى للحكم هو قمع حرية الرأى والتعبير.. ساهم فى هذا كل من ميكنة إعلام النظام السابق وللأسف بعض المحسوبين على هذا التيار.. إن من واجباتكم كرئيس للبلاد أن تطمئنونا على مستقبل حرية الفكر فى مصر ورعاية مبدعيها بما يستحقون». هذا ما جاء بالبيان الذى أوضح أيضا إلى أن حرية الإبداع ليس مطلبا فئويا بل هى ضرورة من ضرورات نهضة أى شعب.

 

المكالمة بينى وبين صديقتى الفنانة استمرت قرابة الساعة حكت لى خلالها نماذج مشابهة لما حدث معها حدثت لزميلات أخريات، وكلهم يقمن بتصوير أعمال درامية تعرض فى رمضان القادم.. قالت صديقتى: إننى لم أغضب الله ولم أغضب أحدا.. أولادى يروننى فى صورة جميلة يفتخرون بها.

 

سألتها: هل تؤمنين حقا بما تشعرين به من هذه الأحاسيس الطيبة فى محيط حياتك.. قالت: نعم.

 

قلت لها: هل تؤمنين بما تقدمينه، أجابت طبعا.

 

قلت لها: إذن استمرى وعيشى حياتك كما تتصورين.

خالد محمود كاتب صحفي وناقد سينمائي
التعليقات