الاعتراف بتقسيم أى دولة هو بمثابة الاعتداء عليها. فإذا كان الاعتراف الأول، بل والأوحد، من إسرائيل فهذا اعتداء على المنطقة بأسرها. ذلك لأنها لا تجد فرصة لتقويض الاستقرار إلا واستغلتها، فهى لا تريد عالمًا عربيًا متماسكًا، ولا منطقة مستقرة، وإنما تريد «شرق أوسط» على هواها، ويتماسك فقط إذا كانت هى محركه، بل ورأسه. سياسات إسرائيل الخارجية بالمنطقة هى الترجمة الحرفية لهذا التخريب، فهى تغذى الأقليات، وتحرك النعرات الطائفية مثل دروز سوريا، كما تأجج العرقيات المختلفة مثل الأكراد، وذلك كله بهدف تفكيك الدول، ورسم خرائط جديدة على أسس ضيقة، بعيدة عن الوطنية، وقريبة مما تتصوره عن شكل العالم الذى تظن أنه آمن بالنسبة لها. من هنا نبحث عن الاتزان الاستراتيجى مقابل هذه السياسة المعتدية.
قبل أيام أصدرت وزارة الخارجية المصرية كتابًا أبيض بعنوان «الاتزان الاستراتيجى». إن مصطلح الكتاب الأبيض يطلق على الأوراق التى تشرح سياسات الدولة، أى دولة، فى قضايا معينة. وجاء فى صدر الكتيب شرحًا لمعنى الاتزان الاستراتيجى الذى تقصده مصر كالتالى، «احترام الدولة الوطنية، باعتبارها الوحدة الأساسية وحجر الزاوية فى النظام الإقليمى والدولى، ويرتبط بذلك احترام سيادة الدول الأخرى، وعدم التدخل فى شئونها، والتأكيد على أن إضعاف مؤسسات الدولة أو تهديدها يؤدى إلى عدم استقرار العلاقات بين الدول، ويزيد من فرص الاضطراب والفوضى». أضافت مصر مزيدًا من التوضيح لهذه النقطة فى الفصل الأول الخاص بسياسة مصر الخارجية فى محيطها العربى، حيث وضعت مصر هدفين أحدهما «مساعدة الدول العربية التى مرت بأزمات داخلية -سياسية وأمنية واقتصادية - حادة على استعادة استقرارها، ثم حددت ثلاثة مبادئ للتعامل مع هذه التحديات، أولها «الحفاظ على سيادة ووحدة أراضى الدول العربية وسلامتها الإقليمية، ورفض أى تدخلات خارجية فى شئونها».
* • •
انطلاقا من هذه السياسة، جاء موقف مصر الرافض لتقسيم الصومال، حيث أكد بدر عبدالعاطى، وزير الخارجية المصرى، فى اجتماع مجلس الأمن والسلم الإفريقى يوم 29 ديسمبر الماضى، «رفض مصر التام للاعتراف الإسرائيلى بما يسمى بأرض الصومال باعتباره انتهاكًا صارخًا لمبادئ القانون الدولى وميثاق الأمم المتحدة والقانون التأسيسى للاتحاد الإفريقى ويقوّض أسس السلم والأمن الإقليمى والدولى وبصفة خاصة فى منطقة القرن الإفريقى. كما طالب عبد العاطى بعقد جلسة طارئة لمجلس السلم والأمن الإفريقى لتناول هذا التطور الخطير وللتأكيد على وحدة وسلامة الأراضى الصومالية». للأسف، نعرف جميعًا أن دولة المقر للاتحاد الإفريقى، هى بدورها تسعى للاعتراف بأرض الصومال، طمعًا فى الوصول إلى البحر الأحمر وإنشاء ميناء عسكرى يشرف على باب المندب. إضافة إلى أنها لا تخشى من تبعات المساهمة فى تقسيم دولة مجاورة، بالرغم من اكتظاظ إثيوبيا ذاتها بالحركات الانفصالية المسلحة، بل تصر على تماهى سياساتها مع السياسة الإسرائيلية. بالرغم من ذلك، لا يسعى الاتحاد الإفريقى إلا لإدانة أى تقسيم للصومال، والتأكيد على وحدة أراضيها.
الأمر نفسه يتكرر على مستوى جامعة الدول العربية، حيث رفضت الجامعة العربية، فى اجتماع على مستوى المندوبين الدائمين يوم 28 ديسمبر، اعتراف إسرائيل بانفصال إقليم الشمال الغربى بالصومال، ما يسمى بـ «إقليم أرض الصومال»، مشددة على الوقوف ضد «أى إجراءات تترتب على هذا الاعتراف الباطل بغية تسهيل مخططات التهجير القسرى للشعب الفلسطينى أو استباحة موانئ شمال الصومال لإنشاء قواعد عسكرية فيه.
بالرغم من أن هذا يعد الموقف البديهى لجامعة الدول، لكن للأسف ليست كل الدول الأعضاء فى الجامعة تسير على هذا المنهج. بل هناك من يوافق فى العلن على هذه البيانات الرسمية ويدعمها لكنه يتحرك العكس تمامًا، وينفق ملايين الدولارات لتهيئة الوضع فى «أرض الصومال» للانفصال، رغم علمه بالتداعيات الخطرة على أمن مصر القومى، وأمن واستقرار البحر الأحمر.
* • •
نعود للصومال، حيث تشرح «استراتيجية الاتزان» الاقتراب المصرى من المسألة تحت باب العلاقات الإفريقية! ويشير الكتاب الأبيض إلى الإعلان السياسى المشترك الذى تم توقيعه فى يناير 2025 بين مصر والصومال، ورفع مستوى الشراكة بين البلدين للمستوى الاستراتيجى، والذى يأتى كمتمم لآلية التعاون الثلاثية التى تم توقيعها بين البلدين بالإضافة إلى إريتريا، بهدف «تعزيز التشاور والتنسيق الدائم بين الدول الثلاث حول مختلف القضايا الإقليمية ذات الاهتمام المشترك، وخاصة تطورات إثيوبيا، والقضايا المرتبطة بأمن البحر الأحمر». نلاحظ هنا أن التحرك المصرى كان أسرع من السياسة الإسرائيلية، وتنفيذ أذرعها بالمنطقة؛ ومن ثم إعلانها الاعتراف بأرض الصومال هو رد فعل متأخر، أجهضته تحركات مصر بالفعل. فبحسب الشراكة الاستراتيجية مع الصومال، أرسلت مصر قوات إليها -بالفعل - ضمن بعثة الاتحاد الإفريقى لحفظ السلام. لا يعتبر ذلك تهديدًا للانفصاليين فى «أرض الصومال»، ولكن رسالة إجهاض لمن هم خلف التقسيم.
الأمر المتوقع من إسرائيل الآن هو حث الإدارة الأمريكية على الاعتراف بأرض الصومال، ومن ثمّ فتح الباب وتمهيد الطريق لاستكمال المسار السياسى الذى يغير من تركيبة الدول المتشاطئة فى البحر الأحمر. على التوازى ستقوم بالاعتراف بدولة جنوب اليمن، حال استطاع المجلس الانتقالى الجنوبى استمرار سيطرته على محافظتى حضرموت والمهرة فى شرق اليمن. لكن المتوقع أن تبادر السعودية بالتدخل المباشر فى هذا الملف لتوازن هذا التهديد الاستراتيجى على حدودها الجنوبية، والذى تطمح إسرائيل من خلاله لتطويق الحوثيين إضافة لمحاولة الهيمنة على مداخل البحر الأحمر وبحر العرب! كل ما سبق ينذر بأن الصبر الاستراتيجى الذى تتحلى به مصر قد لا ينسجم بنفس القدر مع القرار السياسى السعودى لأن التهديد أصبح مباشرًا، وأضعف الإيمان أن يأتى الرد السعودى ضد المجلس الانتقالى، ونأمل ألا يصل لأبعد من ذلك فينال ممن يقف ورائهم.
الشاهد، ما تقوم به إسرائيل هو زعزعة استقرار البحر الأحمر لكى ينشب فيه نزاع بين أطرافه لينشغلوا بأنفسهم، حتى تنفرد هى بما تريد فعله من تغير فى لبنان، وتقسيم فى سوريا، وتهجير من غزة، إضافة لأوهام الأجيال التى يتبناها اليمين الحاكم فى إسرائيل. الشاهد أيضا أن التحركات المصرية تقرأ هذه الاستراتيجية جيدا وتستبقها، ليس فقط لإفشالها، لكن لبناء ترتيب مغاير، نابع من مصالح مصر العليا، إضافة إلى مصالح دول الجوار، والتى على رأسها «احترام الدولة الوطنية، باعتبارها الوحدة الأساسية وحجر الزاوية فى النظام الإقليمى والدولى.. واحترام سيادة الدول الأخرى، وعدم التدخل فى شئونها». فإن هذا يحقق الواقع الذى تريده شعوب المنطقة!
باحث فى مجال السياسة والعلاقات الدولية