إفطار وحوار بعيدا عن السياسة - حسام السكرى - بوابة الشروق
الأحد 8 ديسمبر 2019 6:00 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل توافق على سن قانون جديد لمكافحة الشائعات وتشديد عقوبة مروجيها؟

إفطار وحوار بعيدا عن السياسة

نشر فى : السبت 3 مارس 2018 - 9:35 م | آخر تحديث : السبت 3 مارس 2018 - 9:35 م

لعبت الصدفة دورا في تجربتي مع برنامج نقطة حوار. في ربيع عام 2003طرحت فكرته بغرض عمل حلقة واحدة استمزج فيها آراء الناس حول تطورات الأحداث في العراق قبيل الغزو الأمريكي مباشرة. طرحنا الفكرة على المستمعين وخرج البرنامج في اليوم التالي على الهواء مباشرة.

كانت حلقة مدهشة في جدتها وحيويتها. خرجت منها مبتهجا لأجد رئيس الإذاعة في انتظاري على باب الاستديو. بادرته: أعتقد أنها كانت تجربة جيدة، لم لا نكررها في الأسبوع المقبل؟. رد باقتضاب: لا أعتقد ذلك. انقلب ابتهاجي قلقا فسألته: هل كانت سيئة إلى هذا الحد؟ ابتسم وقال: كانت تجربة مدهشة بالفعل. لن نقدم البرنامج أسبوعيا ولكن يوميا. ولن نقدم حلقة واحدة في اليوم كالمعتاد، ولكننا سنقدم اثنتين.

قدمت البرنامج لسنوات وكان من أكثر تجارب حياتي ثراء.حاورت فيه الآلاف وتعلمت منه الكثير. استمع لهذه الحوارات ملايين العرب في كل مكان. نقاشات مثمرة حول مختلف الموضوعات الجدلية والخلافية، يتوزع المشاركون فيها على مختلف بقاع العالم. من السعودية، إلى كوريا، ومن أطراف مصر إلى ربوع اليابان. عرب يحملون عددا هائلا من التجارب ويأتون من مختلف الخلفيات. تعلمت من إدارتي لهذه الحوارات الأسباب الحقيقية التي تجعل حوار ينجح، وتلك التي تحكم على آخر بالفشل.

لابد للحوار من مدير يقف على مسافة واحدة من المتحاورين. ولابد له أيضا من قواعد واضحة متفق عليها بين الداخلين فيه، أهمها أن يتعامل المتحاور مع ما يطرح أمامه من آراء وليس مع ما يتصوره عنها. لابد له من أن يناقشها كما هي وليس في صورة ذهنية ممسوخة عنها يسهل ضحدها أو التهكم عليها. ناقش الرأي كما يقوله صاحبه وليس كما ترغب في تشويهه.

من هذه القواعد أيضا أن يستوعب كل متحاور أن من يناظره أو يختلف معه مثله تماما من حيث دوافعه لتبنى رأيه. فهو يعتقد في رأي ما، لأنه يظن بصوابه، لا لأنه مأجور أو مرتزق أو خائن أو مفسد أو راغب في نشر الفتنة أو عميل. يمكنك أن تعتقد أن محاورك مشوش، منسحق، مضلل أو أقل منك ذكاء. كل هذا جائز أحيانا حتى وإن لم يكن صحيحا. أما الاعتقاد بأنه سيء النية أو صاحب غرض خبيث فلا يعدو أن يكون استسهالا غرضه تجنب مشقة الفهم والتفكير ونتيجته هو تحول الحوار إلى عبث بلا طائل.

دور مدير الحوار الذي تبنيته بحكم تقديم البرنامج لسنوات كان تذكير المتحاورين بهذه البديهيات، ومساعدة صاحب الرأي في التعبير عنه بطريقة يسهل فهمها، وأعادة صياغته بما يوضح وجهة نظره للآخرين. نجح البرنامج بشكل يندر تكراره وهو ما ضمن له الاستمرار في بي بي سي منذ انطلاقه وحتى اليوم، والاستنساخ بأكثر من صيغة في محطات إذاعية وتليفزيونية مختلفة وبدرجات متباينة من النجاح تعتمد كلها في رأيي على مدى إدراك من يقدمه لعناصر شعبيته الحقيقية في صيغته الإذاعية الأولى.

دار هذا كله في ذهني عندما انتابني شعور بأننا نحتاج في هذا الوقت بالذات إلى نشر ثقافة الحوار، وكان السبب في طرحي لمبادرة "فطار وحوار"، التي تهدف إلى دعم النقاش الواعي المنضبط وأيضا إلى تحويل الفضاءات العامة المحدودة مثل المطاعم والمقاهي إلى مساحات لنشر الثقافة والفنون بعيدا عن السياسة وكل ما يتصل بها من مشاكل، واستغلال هذه الأماكن في غير أوقات الذروة بما يفيد أصحابها وينشيء بيئة طبيعية لحوارات الفكر والفن والثقافة والموسيقى وقضايا المجتمع، مرة أخرى بعيدا عن السياسة.

لا أعرف مطعما أو مقهى لا يشكو من ندرة الزبائن صباح السبت. ولذا اخترت هذا التوقيت لتجربة الفكرة على نطاق محدود بين أصدقائي ومتابعي صفحتي في فيسبوك، وافتتاح صالون للإفطار والحوار أدرت في أول لقاءاته نقاشا بين الحاضرين عن الفرق بين الغزل والتحرش وأبعاد مفهوم ال التراضي الجنسي Consent. كان الحوار رائعا وممتعا وهو ما دفع الحاضرين للمطالبة بتكراره فيه فأعقبته بصالون آخر للإفطار والحوار حول "التعليم خارج الأسوار" أستضيف فيه الصديق الأستاذ هاني الجمل صاحب مؤسسة "سبع صنايع" الذي قام بخطوة جريئة عندما بدأ في تعليم ولديه خارج أسوار المدرسة وبدأ معهما رحلة فريدة ومثمرة للتعليم المنزلي.

ربما نختلف حول قيمة الحديث في السياسة وجدواه، لكننا لن نختلف حول أهمية سحب البساط من تحت أقدام "أهل الشر" الذين يسعون لاستلاب العقول ونشر فكر التطرف وتغييب الأذهان وتحويل الناس إلى قطعان من الأنعام السائرة خلف نواب الله ومشايخ التطرف. لدينا مفكرون وكتاب وشعراء وفنانون نحتاج لتوسيع نصيبهم في الفضاء العام وتشجيعهم على الدخول في حوارات حول الأدب والفكر والفن والفلسفة وقضايا المجتمع ولتكن كلها بعيدة عن السياسة في هذه المرحلة. من المهم أن نشجع هذا في مختلف ربوع المعمورة وليس في القاهرة فحسب، في مبادرة تتبناها وزارة الثقافة ودور النشر والمثقفون والفنانون المحليون في مدن وقرى مصر.

الفكرة بسيطة وتشكل منظومة مكتملة تأخذ زخمها من تحقيق فائدة واضحة لكل أطرافها: المقاهي تستفيد بتنشيط إقبال الزبائن عليها في غير أوقات الذروة، ودور النشر تروج للفكر والثقافة وتبيع الكتب وتدعم المؤلفين. والمفكرون والمثقفون يجدون بيئة حاضنة تشجعهم وتدعمهم. والجمهور يحقق رغبته في ترقية النفس وتهذيب العقل وتدريبه على الاختلاف والنقاش في بيئة صحية وواعية.

لا يوجد فيما قلته ما يمكن الاحتجاج بصعوبته أو بثقل تكاليفه. وبشكل شخصي يسعدني أن أساهم بأي خبرة مطلوبة في تدريب الراغبين في إدارة هذه الحوارات أو في نقل خبرة ومعالم هذه التجربة لمن يرغبون في تبنيها من هيئات أو اتحادات أو تجمعات للكتاب والمفكرين في أي مكان من مصر.
دعونا نملأ النصف الفارغ من الكوب بدلا من الاستمتاع بالنظر للنصف الملآن.
..
من يا ترى سيلتقط الخيط؟

التعليقات