«جهينة» وخبرها اليقين - صحافة عربية - بوابة الشروق
السبت 15 يونيو 2024 4:20 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد دعوات مقاطعة بعض المطاعم التي ثبت دعمها لجنود الاحتلال؟

«جهينة» وخبرها اليقين

نشر فى : الإثنين 10 يونيو 2024 - 7:45 م | آخر تحديث : الإثنين 10 يونيو 2024 - 7:45 م

شائع القول المأثور، أو المثل: «عند جهينة الخبر اليقين»، ولهذا القول، الذى هو شطر فى بيت من الشعر، حكاية وردت فى مقامات الحريرى، وعند من لم يعرفوا بأمر هذه الحكاية، يتركز الفضول فى: «من تكون جهينة»؟ وكأن أنظارهم تنصرف إلى امرأة تحمل هذا الاسم، لكنّ الأمر ليس كذلك.

أصل هذا القول، كما ورد فى المقامات، «إنّ رجلًا اسمه حصينُ بنُ عمرٍو خرج يطلب فُرْصةً فاجتمع برجلٍ من قبيلة جُهينة يقال له: الأخنسُ بن كعبٍ، فتعاقدا ألَّا يلقيا أحدًا إلَّا سلباه، وكلاهما فاتكٌ يحذر صاحِبَه، فطلبا يومًا اللخميَّ فوجداه نازلًا فى ظلِّ شجرةٍ، فعرض عليهما الطعامَ فنزلا وأكلا وشربا، ثمَّ إنَّ الأخنسَ ذهب لبعض شأنه، فلمَّا رجع وجد سيفَ صاحبه مسلولًا، واللخمى يتشحَّط فى دمه فسلَّ سيفَه، وقال: (ويحَك! قتلتَ رجلًا تحرَّمْنا بطعامه وشرابه!)، فقال: (اقعدْ يا أخا جُهينة، فلهذا وشبهِه خرجْنا)، ثمَّ إنَّ الجهنيَّ شغل صاحِبَه بشىءٍ ثمَّ وثب عليه فقتله وأخذ متاعَه ومتاعَ اللخمى، وانصرف إلى قومه راجعًا بماله، وكانتْ لحصينٍ أختٌ تُسمَّى صخرةَ، فكانتْ تبكيه فى المواسمِ وتسأل عنه فلا تجد مَن يخبرها بخبره، فقال الأخنس حين أبصرها شعرًا وردت فى خاتمته الأبيات التالية: «كَصَخْرَةَ إِذْ تُسَائِلُ فِى مراحٍ/ وَفِى جَرْمٍ وَعِلْمُهُما ظُنُونُ/ تُسَائِلُ عَنْ حُصَيْنٍ كُلَّ رَكْبٍ/ وَعِنْدَ جُهَيْنَةَ الخَبَرُ اليَقِينُ/ فَمَنْ يَكُ سَائِلًا عَنْهُ فَعِنْدِي/ لِسَائِلِهِ الحَدِيثُ المُسْتَبِينُ».

وفى الشرح نقرأ أنّ مراح وجرم هما اسما قبيلتين، تسأل أخت القتيل عندهما الخبر عن مقتل أخيها الذى لا علم لهما بأمر من قتله، وكيف وأين، فيما الخبر اليقين، هو عند جهينة، القبيلة التى ينتسب إليها القاتل، ومن يومها غدا هذا قولًا غايته أن الحقيقة، أو الخبر اليقين معروف لدى فرد بعينه أو جهة بعينها، وما أكثر ما يجرى استبدال اسم جهينة بأى اسم آخر إذا أراد أحدهم إرشاد آخر إلى معلومة أو معلومات يحتاجها، بأن يقول له: إنّ عند فلان الخبر اليقين، فاسأله، تجد منالك.

وعلى هذا تترتب أسئلة، نختار منها على الأقل سؤالين، الأول هو: هل أنّ عند كل من له مقام جهينة العالمة بالشىء، الرغبة أو الجرأة أو المصلحة فى الإفصاح عن الخبر اليقين الذى قدّر له أن يعرفه دون سواه، فما أكثر من يبقون الخبر اليقين سرًا مكتومًا فى صدورهم حتى يتوفاهم الله، وبذا تغيب عن التاريخ المكتوب أو المروى الكثير من الأسرار المهمة، وربما الفاصلة، أما السؤال الثانى فهو ما مقدار الثقة أو الطمأنينة فى صحة ما سيقوله من وُضع فى مقام جهينة العالمة بالخبر اليقين؟

حسن مدن
جريدة الخليج الإماراتية

التعليقات