أنا مش عارفني.. لكن الـAI عارفني كويس - كريم البكري - بوابة الشروق
الثلاثاء 13 أكتوبر 2026 2:13 ص القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد اعتراض نادي الزمالك على التحكيم في القمة الـ133 ؟

أنا مش عارفني.. لكن الـAI عارفني كويس

نشر فى : الثلاثاء 13 أكتوبر 2026 - 12:55 ص | آخر تحديث : الثلاثاء 13 أكتوبر 2026 - 12:55 ص

نعم.. «أنا مش عارفني»، لكنه يعرفني جيدًا.

عن الذكاء الاصطناعي وخوادمه أتحدث؛ أحتاج إلى وقت طويل لأفهم ما أريده، بينما يستقبلني وكيل الذكاء الاصطناعي بثقة شخص يعرفني منذ سنوات، يرحب بي، ويسألني عن تفاصيل يومي، ويغدق عليّ بكلمات الترحاب والتشجيع، وسرعان ما يشمّر عن ساعديه ويستعد للمهمة.. أعطيه تفاصيل عملي وأصحح له عبارة؛ فيلتقط الخيط ويقترب في إجابته التالية من ذائقتي.

جاذبيته قائمة على وعد شديد الإغراء.. يقول لي: أنا أعرفك، وأعرف ما يريحك، وأستطيع أن أختصر لك الطريق.

وتطبيقًا لمبدأ «حد يلاقي دلع وميتدلعش»، أستسلم لإجاباته، خاصة مع ما يمتلكه من أدوات ذاكرة تحتفظ بسياق محادثاتنا؛ فتصبح العودة إليه مصحوبة بصوت نجاة الصغيرة في أذني «ما أحلى الرجوع إليه».

تغريني هذه الألفة.. أفتح نافذة صغيرة؛ فأجد من يرتب فوضاي، ويحتمل ترددي، ويقدم اقتراحًا آخر كلما طلبت.

 

******

 

تظهر لي غرابة علاقتي بالذكاء الاصطناعي حين أنتقل من مقعد المُستخدِم إلى مقعد المُتفرج؛ أتعجب من نفسي عندما أمرّ على منشور فأضيق بالنبرة نفسها التي رحبت بها قبل قليل! ماذا أصابني؟ لماذا أشعر بهذا الاستياء؟ فالفكرة جميلة، والتعبير سليم، واللغة قوية، لكنني أشعر أنني قرأت هذا النص في صفحات كثيرة من قبل. أعرف مقدمته، وأكاد أتوقع خاتمته؛ هنا أرجّح أن هذا النص كُتب بواسطة الذكاء الاصطناعي.

منشورًا بعد آخر نما داخلي شعور بالاشتياق إلى عدم الكمال؛ أصبحت أتطلع إلى منشور تعثرت فيه فاصلة، أو غابت عنه علامات الترقيم، أو استرسل صاحبه أكثر مما ينبغي، أو اختار كلمة تخصه وحده.. أصبحت أشتاق إلى هفوة مثل تلك «الديفوهات» التي نتقبلها ونعجب بها في الأشياء المصنوعة يدويًا. وللدقة احترامها بالطبع؛ شوقي هنا إلى أثر شخص يظهر من بين الكلمات، ويمنحها شيئًا من طبعه.

الأمر غير مقتصر على النصوص.. يمتد هذا الشعور إلى التصميمات أيضًا؛ سئمت الوجوه الملساء، والإضاءة المتوهجة، والعوالم المدهشة؛ صار النمط مألوفًا من فرط تكراره، وتتسع المسافة بين إعجابي بصورة منفردة وضجري من صور كثيرة تتشابه في طريقة إبهاري.

 

******

 

شيئًا فشيئًا، تتزاحم الأسئلة التي تشغلني: كم من الراحة أستطيع أن أقبل؟ وكيف أستفيد منها وأحفظ في الوقت نفسه  قدرتي على المضي والإنجاز؟ فالطريق المختصر يوفر الوقت، والطريق الذي أخوضه يمنحني خبرة الوصول.. وبين الطريقين تتشكل علاقتي بهذه التكنولوجيا.

يعود إليّ هنا سؤال الزميلة الصحفية ليلى عبدالباسط، في مناظرة جمعتنا ونظمتها مبادرة «ثورة الذكاء الاصطناعي» حول توظيفه في العمل الصحفي. سألت ليلى: «إزاي نحمي أنفسنا من إغراءات الذكاء الاصطناعي؟ إزاي نحافظ على قدرتنا على الإبداع؟». وكلما أغرتني التكنولوجيا وبريقها، احتجت إلى استعادة صوت سؤال ليلى: «إزاي نحمي أنفسنا؟».

بالطبع كلنا ضعفاء أمام هذا القدر من الإغراء.. صورة قد يحتاج إنجازها أيامًا من التجريب تظهر مسودتها خلال ثوانٍ أو دقائق، تسجيل طويل يُفرَّغ بأقل مجهود، ملف مزدحم تُرتَّب مادته بسهولة بالغة، وبيانات كثيرة تصبح قابلة لقراءة أولية بضغطة زر.

أتأمل الوقت الذي توفره هذه الإمكانات، وأفكر أيضًا في الخبرة التي تتكون أثناء العمل نفسه دونها، تلك ملاحظة نجدها بين السطور، وهذا سؤال يولد من تفاصيل جانبية، وذاك طريق جديد تفتحه محاولة بدت متعثرة.. أيمكن أن يكون بعض ما نحسبه وقتًا ضائعًا جزءًا من تكوين قدرتنا على الرؤية؟

وبوصفي صحفيًا، أشعر بأنني مسئول عن هذه القدرة؛ عليّ أن أحمي القارئ من صورة زائفة، وفيديو مفبرك، ورواية تلاعب أحدهم بتفاصيلها حتى صارت مقنعة.. وعليّ أيضًا أن أصون في نفسي مهارة البحث، ومتعة العثور على مدخل للحكاية؛ بتعبيرنا الدارج: «عاوز دماغي تفضل شغالة.. خايف تصدّي»؛ فالموهبة تقوى بالممارسة وتحتاج إلى الاحتكاك الذي يمنحها مرونتها.. وأخشى أن أعتاد تسلّم النصوص مكتملة على الشاشة، بينما تصبح البداية في رأسي أصعب كل مرة.

 

******

 

أتذكر هنا وصفًا سمعته من الكاتب والأديب أشرف العشماوي عندما قال في إحدى ندواته: «الذكاء الاصطناعي سكرتير جيد جدًا». أعجبني الوصف؛ فالسكرتير يعين صاحبه على عمله، ويرتب مادته، ويوفر له وقتًا، وربما يفتح له أفقًا، ويظل صاحب العمل هو المسؤول الأول والأخير.

وللكُتّاب سكرتارية، وصحبة تعينهم على التفكير والكتابة، على سبيل المثال، استعان دوستويفسكي بآنا سنيتكينا -التي ستصبح لاحقًا زوجته- لإنجاز رواية «المقامر» تحت ضغط موعد التسليم وشروط عقد قاسية مع ناشره؛ كان يملي عليها النص فتدوّنه برموز واختصارات تتيح لها ملاحقة سرعة حديثه، وتعينه على نقل الحكاية إلى الورق بينما هو منشغل بشخصياتها وأحداثها. وبمساعدتها أتمّ الرواية في موعدها.

كذلك عرفت أغاثا كريستي قيمة العون في سكرتيرتها وصديقتها شارلوت فيشر التي اعتادت أن تناديها «كارلو»؛ أعانتها في التدوين وأعمال السكرتارية، وخصّتها أغاثا بإهداء في رواية «لغز القطار الأزرق»، وحين ابتعدت شارلوت خلال الحرب، كتبت كريستي إلى زوجها تقول إنها تحتاج إلى «كارلو أو اثنتين»؛ عبارة تكشف مقدار ما كانت تجده في وجودها من راحة وعون.

أيضًا تتسع المساعدة لتشمل الحوار، كما في صحبة طه حسين لزوجته سوزان بريسو؛ كان صاحب «الأيام» يجد فيها قارئة ومحاورة؛ تقرأ له الأدب والفلسفة والتاريخ، ويتبادلان الحديث حول ما يقرآن. وفي كتابها عنه «معك» تستعيد سوزان تلك البدايات بقولها: «كنا نتحدث بكثرة». تستوقفني هذه العبارة؛ ففي الحديث فرصة لأن تتضح فكرة، أو ينفتح سؤال، أو يرى الكاتب ما يشغله من زاوية أخرى، ثم يعود إلى أوراقه وقد تحرّك شيء في رأسه.

ومع الذكاء الاصطناعي، تصبح حدود المساعدة –خاصة في مجال الأدب أو ربما الآفاق الإبداعية- أكثر حساسية؛ ظهر ذلك في الجدل حول الكاتبة البولندية أولغا توكارتشوك، الحائزة نوبل الأدب لعام 2018؛ ففي مايو الماضي تحدثت عن استخدام الذكاء الاصطناعي أثناء العمل على روايتها الجديدة، وحكت أنها سألته عن الأغاني التي كان يمكن لشخصياتها أن ترقص عليها قبل عقود، فاقترح عناوين، وتحدثت أيضًا عن عرض أفكار عليه وطلب مساعدته في تطويرها. لكن أثارت تصريحاتها جدلًا وانتقادات، واتجه النقاش إلى مقدار مشاركته في عملها الأدبي.

وإكمالا للرواية.. أوضحت أنها تكتب نصوصها بنفسها، وأن استخدامها للأداة يتعلق بالبحث الأولي، مع التحقق من المعلومات التي يقدمها؛ ويستحق هذا التوضيح أن يصاحب الحكاية؛ فطبيعة المساعدة هي ما يمنح النقاش معناه.

ومن هنا أفهم وصف العشماوي، وأجد فيه حدًا لعلاقتنا بالذكاء الاصطناعي: هو سكرتير أستطيع أن أطلب منه معلومات، وبدور صاحبه التحقق منها.

يمكنني أن أطرح عليه أسئلة تكشف ثغرات فكرة، أو أطلب منه اقتراحًا يساعدني على تجاوز موضع تعثرت فيه الكتابة.. أستطيع أن أفكر معه بصوت عالٍ، ثم أعود إلى النص لأختار وأكتب وأراجع.

لذلك أذكّر نفسي بأنني أحتاج إلى إتقان استخدام الأداة، وإلى صيانة المهارة التي أستعين به لمساعدتها.

 

******

 

وتزداد هذه الموازنة إلحاحًا مع التحول في عادات العمل؛ فكما أصبح «جوجل» جزءًا من عادات البحث، يأخذ الذكاء الاصطناعي مكانه في يومنا، وتتزايد الأحاديث عن مهام تُسند إلى وكلاء برمجيين، وعن شركات ومؤسسات تراجع احتياجاتها البشرية.

وهنا تجدر الإشارة إلى تقرير «مستقبل الوظائف 2025» للمنتدى الاقتصادي العالمي؛ فقد توقع 41% من أصحاب العمل المشاركين تقليص أعداد العاملين مع اتساع قدرة الذكاء الاصطناعي على أداء أدوار بشرية، ضمن أفق التقرير الممتد إلى 2030. وفي التقرير نفسه، خطط 77% لتدريب العاملين وتطوير مهاراتهم للعمل مع هذه الأدوات؛  هذه نيات معلنة تكفي لكي نأخذ الاستعداد بجدية، وتزيد حاجتنا إلى بروتوكولات واضحة تنظم الاستخدام داخل المؤسسات.

وإذا وضعت نفسك في مقعد الإدارة أو صاحب العمل، فأنت أمام مدرستين؛ إما أن تكون ذلك المدير السعيد بالموظف الذي أنجز المهمة، ويمتلك أدواته ويعرف كيف يسخّرها لخدمة العمل وتلبية احتياجات السوق، آنذاك يهمك المردود الذي لبّى الحاجة ونفّذ المطلوب على الوجه المأمول، وتقيس نجاح الموظف بما وصل إليه من نتيجة.

ومن مقعد مدير آخر، قد تتحسس مسدسك أمام الموظف الذي يستدعي الذكاء الاصطناعي في كل مهمة؛ ربما ترى في الأداة اختلاط الحابل بالنابل، ويصبح منوطًا بك أن تختبر مرؤوسيك لتتأكد من قدراتهم: تناقشهم في اختياراتهم، وتسأل عما أضافوه بأنفسهم، وعن قدرتهم على مراجعة النتيجة واكتشاف عيوبها. حقك.. تريد أن تطمئن إلى المهارة التي يحملها الموظف وراء ما يعرضه على شاشتك.

ولكل مدرسة إدارية وجاهتها ومبرراتها؛ لكن الموظف في الحالتين يحتاج إلى قواعد واضحة لاستخدام الذكاء الاصطناعي، وإلى إدارة تدرك أن جودة بعض الأعمال تتطلب وقتًا للبحث والتفكير والمراجعة. فالوقت الذي توفّره هذه الأدوات يمكن أن يتيح فرصة لإنجاز عمل أكثر عمقًا وإتقانًا، أو يتحول إلى مساحة لتكليفات إضافية.

وبين الحالتين تظل قدرتي على الكتابة الإبداعية أو التحريرية شيئًا أحمله معي؛ أحب أن أتأكد من سلامتها كلما جلست أمام صفحة فارغة، وأن أكون قادرًا على بدء الحكاية بنفسي.

وأتذكر أيضًا أن أمام تلك الصفحة على الجانب الآخر قارئًا تغيرت علاقته بالثقة في المواد الإبداعية..  صار سؤال «ده حقيقي ولا ذكاء اصطناعي؟» يسبق أحيانًا استمتاعنا بما نرى أو نقرأ.. وأعتقد أن هذا السؤال سيلازم مدرسًا يقرأ واجبًا، وأستاذًا جامعيًا يفحص بحثًا، ومحررًا يتلقى مادة، وناشرًا يراجع مخطوطًا. سيتسع السؤال من حقيقة الصورة إلى حضور صاحب العمل فيه، وستحتاج العلاقات بين هؤلاء إلى وضوح بشأن المساعدة الآلية وحدودها.

 

******

 

أخيرًا.. لست صاحب رسالة، لكي أعبر فقط عن رأيي.. أخاطب كل من تحمل وظيفته ملمحًا إبداعيًا، وأذكّر نفسي أولًا: احتفظوا لأنفسكم بشيء من مشقة التكوين.. للورقة المشطوبة جمال، وللجملة التي نعيد كتابتها قيمة، وللمحاولة المتعثرة فضل، وللسؤال الذي يصحبنا طويلًا أثر، وللتردد بين كلمتين معنى، وللتفصيل الذي يستوقفنا حكاية، ولمن يصبر على فكرته متعة العثور عليها.

في الكتابة متّسع لكل ما يخصّنا: ما علق بذاكرتنا، وما أحببناه وفقدناه، وما فهمناه متأخرًا وظل يؤلمنا؛ من هنا تكتسب الكلمات ملامح صاحبها، ويصبح لوجود اسمه تحتها معنى؛ والذكاء الاصطناعي، مهما أتقن محاكاة أصواتنا، يظل خارج الحياة التي عشناها بأجسادنا، والتي تمنح كل واحد منا سببه الخاص للكتابة.

 

******

 

أعود إلى العنوان: «أنا مش عارفني.. لكن الـAI عارفني كويس».. معرفته بي تتكوّن مما أقوله له، وما أصححه، وما يتكرر من اختياراتي.. يلتقط ملامحي كلما تركت له أثرًا.. وأكتشف أنا ملامحي أيضًا حين أفكر وأختار وأكتب.

لذلك كتبت ما أكتبه الآن.. لأذكر نفسي مرارا وتكرارا: أريد لهذه العلاقة أن تعينني على الاقتراب من نفسي، وأن أحتفظ بنصيبي من الحيرة والمحاولة والاكتشاف.

أخشى أن أغترب عن صوتي وأنا أستمتع بمن يحاكيه، وأن يتسلل الصدأ إلى عقلي وأنا مأخوذ ببريق الإجابات؛ أريد أن أظل قادرًا على كتابة جملة أجد فيها نفسي، وأطمئن إلى أنني ما زلت هنا.

كريم البكري كاتب صحفي
التعليقات