التفاعل مع مقومات العصر - إكرام لمعي - بوابة الشروق
الإثنين 24 يناير 2022 3:43 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما هي توقعاتك لمشوار المنتخب المصري ببطولة إفريقيا؟


التفاعل مع مقومات العصر

نشر فى : الجمعة 17 مايو 2019 - 11:15 م | آخر تحديث : الجمعة 17 مايو 2019 - 11:15 م

لاشك أن المؤمنين بالله، والمنتشرين فى معظم الكرة الأرضية، يعترفون بوجوده، وأنه هو الكائن الأزلى الأبدى. الله روح فوق الزمان والمكان. وهو ما يعنى أنه غير خاضع لهما، بل هو خالقهما والمتحكم فيهما، وفى حركتهما، بالتالى فالله حاشا له أن يتحدث عن ماضٍ، وحاضر، ومستقبل، فهو متعالٍ عن مثل هذه المصطلحات، والله يرى الزمان والمكان أمامه فى لحظة واحدة غير متتابعة، عكس الإنسان المحدود بزمن ومكان، والله غير الإنسان، فهو كلى الخير، والحب، والعطاء، والعدل، والقدرة، لذلك فالسماء فى المسيحية، والجنة فى الإسلام، ليست بكاملة مقارنة بكماله. إذن الله لا يتعامل مع الشر أو الضعف، أو المرض، أو الفناء، فكل هذه مؤقتة وسلبية وإلى زوال. وعدم تعامل الله مع هذه الأمور لا يقلل من سلطانه، بل العكس تماما، فالله هو الكمال، والنقاء، والطهر... إلخ، والله يتحدث إلى الإنسان من خلال الوحى، الذى يحتوى على وصاياه للبشر من خلال أنبيائه ورسله، ووحى الله يصل لأنبيائه من خلال رموز تترجم إلى لغات إنسانية متعددة، فقبل الإسلام مثلا كان الوحى الإلهى باللغة العبرية والأرامية فى كتب العهد القديم، ثم اليونانية فى بعض كتب العهد الجديد بجوار الأرامية، والله يوحى للإنسان بالقدر الذى يمكن الإنسان أن يفهمه ويدركه، ويطبق فى حياته اليومية، فمثلا الله لم يوح بمعلومات علمية قبل ظهور العلم الحديث، وإلا ما فهم الذين عاصروا الوحى ما هو المقصود منه، وهكذا فى النظم الاجتماعية والسياسية... إلخ. لذلك فالوحى للإنسان متدرج بحسب قدرة الموحى لهم العلمية، والتاريخية، واللغوية فى حدود الزمان والمكان (الحضارة المعاصرة لنزول الوحى). لذلك ينقسم الوحى إلى ثلاثة أقسام: الأول الإعلان العام والذى يوحى فيه الله أو يعلن عن ذاته من خلال الطبيعة، ففى الكتاب المقدس يقول: «السماوات تحدث بمجد الله والفلك يخبر بعمل يديه». والقرآن يقول: «فى الآفاق وفى أنفسهم». ثم تأتى المرحلة التالية للوحى وهى الوحى الشفاهى غير المكتوب وذلك بدءا من آدم وحتى موسى النبى، وبداية من موسى بدأ الوحى المكتوب فى التوراة والإنجيل، ولقد أطلق الإنجيل والقرآن تعبير «كلمة الله» على السيد المسيح» عيسى بن مريم «كلمة الله وروح منه».

***
لقد خلق الله الإنسان فى أحسن تقويم، وعندما تقول التوراة إن الله خلق الإنسان على صورته كشبهه يعنى أن الإنسان له عقل يفكر من خلاله وإرادة يحقق بها ما يفكر فيه، والله يفعل نفس الشىء، والفارق هنا فى القدرة غير المحدودة لدى الله، والمحدودة بالمكان والزمان عند الإنسان، بل محدودة أيضا فى التفكير والتنفيذ والقدرات والعمر...إلخ. ومن عظمة الله أن خلق الإنسان فى أحسن تقويم، فالإنسان إرادته حرة ليختار بين الخير والشر، فالاثنان متاحان عند الإنسان، وهو لديه القدرة على الاختيار، وتحقيق اختياره فى حدود إمكانياته، فهو فى القرآن خليفة الله فى الأرض، وفى المسيحية وكيل الله على خليقته، ولأن الإنسان الأول آدم اختار الشر والعصيان، فى محاولة منه للمعرفة لكى يصير كالله. كانت النتيجة الطرد من الجنة، والموت نتيجة لتمرده. ولأن عطايا الله كاملة وبلا ندامة ــ حاشا لله ــ لذلك لم يسحب منه حريته، وقدرته على الاختيار، والتى سبق ووهبها له، لكن الثمن الذى دفعه الإنسان نتيجة الاستخدام الخاطئ والسيئ لحريته كان ثمنا فادحا، ولقد تمثل هذا الثمن فى الصراعات، والقتل، والسرقة، والزنى، والحروب بين الدول والأمم، والتفرقة العنصرية والعرقية والجنسية....إلخ.

لكن الله لكى يحكم هذه الأرض أو هذا العالم حتى لا تجتاحه الفوضى، وضع له قواعد لحفظه. من أهمها إن الذى يزرعه الإنسان إياه يحصد، فإذا زرع خيرا وحبا وسلاما يحصد أضعاف ما زرع خيرا وحبا وسلاما. وإذا زرع شرا، وقتلا، واغتصابا، يحصد أضعافا مضاعفة من جنس ما زرعه، لكن أيضا علينا أن نعترف أن هناك استثناءات، فهناك من زرع شرا لكنه لم يحصده، بل أحيانا يحصد خيرا، والعكس صحيح فهناك من زرع خيرا وحصد شرا لكن هذه الحالات تكون لإعطاء دروس مستفادة أن دوام الحال من المحال، وأن الثقة فى الله لا تتوقف على عطاياه الجيدة فقط، أو إبعاده للشر عنا، لكن أيضا عندما نبتلى بشر، أو ألم، وضيق، يكون ذلك لاختبار مدى صبرنا، واتكالنا على إلهنا، وثقتنا فى خطته الصالحة بحياتنا. وهناك أيضا ظواهر فوق طبيعية تحدث لبعض البشر كمعجزات شفاء من مرض عضال، أو إنقاذ من حطام انهيار منزل، أو استمرار حياة لبشر اجتازوا معركة أو حربا تم فيها قتل جميع المحيطين، لكن كل هذه الأمور ليست لها قواعد، لكنها استثناءات للقاعدة، ولا يمكن الاعتماد عليها، وعلى الإنسان أن يتعلم منها، ويتأمل فيها ويثق أن الله وهبه فرصة جديدة للتوبة قبل نهاية العمر.

من هنا علينا أن نعيش الحياة بواقعية دون التطلع، أو التعلق بالاستثناءات، والأمر المحزن فى هذا الأمر والذى يدعو للألم إن أغلب العظات من على منابر المساجد والكنائس تحث المستمعين الساجدين عن هذه الاستثناءات، وتدعوهم للتوبة لكى يرزقهم الله من وسع بالصحة، والعافية، والنجاح، والأموال، وهنا يحدث نوع من التخدير والانتظار لهدايا وهبات السماء. وعندما يتحقق ذلك للبعض النادر، وتظل الغالبية الساحقة بدون هبات السماء، يفقد العباد المستمعون اهتمامهم بما يقال، لأنهم لا يلاحظون تقدم فى حالتهم أو مفاجآت سعيدة من القدر. ولذلك نلاحظ هذه الأيام إن معظم الشباب قد بدأ فى التمرد ضد الدين الذى يقدم مخدرا لهم بأن الله سوف يرزقهم من حيث لا يحتسبون، ويزوجهم وينجح طريقهم... إلخ هذه المنظومة غير الواقعية وغير العملية، إذا فقط صلوا وصاموا وعبدوا وحفظوا الكتب المقدسة. والنتيجة تسرب الإلحاد إلى شبابنا شيئا فشيئا. والسؤال هو كيف تتحول المؤسسات الدينية إلى مؤسسات عصرية تستطيع الإجابة على أسئلة العصر؟ كيف تترجم الفقه واللاهوت إلى حياة وحركة متطورة. كيف تجيب على تساؤلات إنسان اليوم؟.
***
إذا تحول الادعاء بالثبات على العقيدة، إلى جمود بالمؤسسة الدينية فالمؤسسة هنا تخون ذاتها وتاريخها، وتعيش متغربة على هامش الزمن. فليس على المؤسسة الدينية أن تستغرق فى التاريخ وتغرق فيه (سلفية). وليس عليها أن تترفع وتنفصل عنه (روحانية مزيفة)، فالطريقان ليسا من طرق الله المتعددة والمتنوعة، أما طريق الله والمختلف عن السلفية والروحانية المزيفة، يحتاج إلى شجاعة، وحكمة، وقدرة على الحركة، فعلى المؤسسة الدينية أن تقتحم العصر لتتفاعل مع مقوماته، وتقدم رسالة عصرية فعالة تجذب شباب اليوم بكل تطلعاته واختلافه، نحن نعتمد فى اجتهادنا ذلك على أن الطبيعة البشرية تميل إلى الجمود، وكذلك الحضارة الإنسانية تتوقف عند قمة تظنها باقية للأبد، كما حدث مع الحضارة الفرعونية، والبابلية، والأشورية، والرومانية، والعربية، والأوروبية، لكن فى كل مرة تصل حضارة إلى قمتها تبدأ فى الانهيار، وكل هذه الحضارات تتناسى أن الرسالة الإلهية تتجدد باستمرار لأنها تنتمى إلى إله حى يتفاعل برسائل تناسب كل عصر، ومكان وحضارة. الرسالة فى جوهرها لا تتغير بالطبع لكن الأسلوب والطرق والفكر الذى يناسب العصر بمخترعاته وتطوره وتقدمه وتفرده. إن كل ما تحتاجه مؤسساتنا الدينية مسيحية كانت أو إسلامية أن تقدم الرسالة القديمة فى إطار جديد يتفاعل مع مقومات العصر لغة وأسلوبا، وأداء وعمقا. فهل نفعل؟!
التتبع

إكرام لمعي  أستاذ مقارنة الأديان
التعليقات