«التابع ينهض».. البحث عن الرواية الإفريقية - إيهاب الملاح - بوابة الشروق
الإثنين 16 سبتمبر 2019 7:29 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

بعدما أعلن الاتحاد المصري لكرة القدم عن ترشيح 5 أسماء لتدريب المنتخب .. من تختار؟



«التابع ينهض».. البحث عن الرواية الإفريقية

نشر فى : الجمعة 23 أغسطس 2019 - 10:25 م | آخر تحديث : الجمعة 23 أغسطس 2019 - 10:25 م

فى مصر والعالم العربى، يبدو حضور الرواية الإفريقية خافتا ولا يحتل المساحة التى تليق بها من المتابعة والاهتمام مقارنة بمثيلاتها من الروايات الآسيوية (الهندية، والباكستانية، والإيرانية، والتركية.. إلخ) رغم أن الرواية الإفريقية، وخلال القرن العشرين استطاعت أن تلفت إليها الأنظار وتجتذب اهتمام النقاد من جميع أنحاء العالم، وتحتل مساحة ليست هينة فى خريطة الرواية المعاصرة.
من القارة السوداء، خرج روائيون عظام أصّلوا لفن الرواية فى التربة الإفريقية، وقدموا رواياتٍ عُدت من أعظم وأهم الروايات فى العالم، ورسخوا لتيار فى الرواية العالمية يناهض المركزية الأوروبية وسيطرة الرجل الأبيض، ويعيد الاعتبار للثقافات المحلية التى دمرها الاحتلال الأجنبى والاستعمار الأوروبى. وتضم قائمة الروائيين الإفريقيين أسماء ضخمة ولامعة بما قدمته من روايات احتلت مكانها ضمن أهم روايات القرن العشرين، وظهرت أسماء جديدة فى عوالم الكتابة، مقترنة بحركات التحرر الوطنى، ورغبة الإبداع الذاتى. وسرعان ما فرضت حضورها خارج حدودها الإقليمية، خصوصًا فى سنوات الستينيات من القرن الماضى التى رفعت شعارات التحرر فى كل مكان.
وكان ظهور رواية «الأشياء تتداعى» للروائى والكاتب النيجيرى الكبير تشينوا أتشيبى Chinua Achebe بداية لتيار كامل فى الرواية الإفريقية، وجهت ضربات إبداعية حاسمة لهيمنة ومركزية الرواية الأوروبية. ينتسب الروائى والكاتب النيجيرى المولود سنة 1930 إلى جيل أحدث فى حركة التحرر الوطنى الإفريقى، لكنه يحتفظ بريادة الكتابة القصصية فى إفريقيا السوداء من منظور تأكيد الخصوصية الثقافية، فأعماله الإبداعية التى تبدأ بروايته العظيمة «الأشياء تتداعى» سنة 1958 عبارة عن استكشافات جسورة لتحولات الثقافة الإفريقية من أزمنة ما قبل الاستعمار إلى فترة التحرر الوطنى.
ورغم ذلك كله، فإن ثمة غيابا نقديا ملحوظا فى إطار الأعمال المكتوبة باللغة العربية عن هذه الأعمال، فباستثناء دراسة هنا أو تقديم لرواية مترجمة أو قراءة ملحقة بأخرى، لا يوجد كتاب أو دراسة كلية يعتد بها فى دراسة النتاج الروائى الإفريقى فى القرن العشرين.
من هنا تبدو دراسة الناقدة الكبيرة الراحلة رضوى عاشور «التابع ينهض ـ الرواية فى غرب إفريقيا» لافتة وجديرة بالقراءة، وترتاد طريقًا غير مطروق فى النقد العربى إلا فى أضيق الحدود، فحتى زمن إنجازها لهذه الدراسة لم تكن هناك أية دراسات تتعرض للرواية الإفريقية، عدا دراسات معدودة تتناول هذه الرواية أو تلك بالتلخيص والتحليل.
فى تفسير اختيارها للرواية الإفريقية للبحث تحت مجهر النقد، تقول عاشور إن القضايا التى تطرحها دراسة من هذا النوع ليست بعيدة عن الشواغل اليومية للقارئ العربى والمشاكل التى يواجهها الكُتاب الإفريقيون، سواء كانت مشاكل سياسية ناجمة عن الواقع الاستعمارى، ووليدة مرحلة التحرر الوطنى، أو مشاكل إبداعية متصلة بموقف الكاتب من تراثه الثقافى والتراث الأدبى الأوروبى الذى أنتج الشكل الروائى، مشاكل تجد نظيرا لها لدى الكُتاب العرب.
أما الدافع وراء تحديد الرقعة الجغرافية للتناول النقدى للرواية الإفريقية باقتصارها على «غرب إفريقيا» أو بصيغة أخرى ضرورة تحديد منطقة بالذات لتناول إنتاجها الروائى، فلأن الحديث عن الرواية الإفريقية ككل يبدو محفوفا بالمزالق والعثرات ويحتاج لمجموعة من الدراسات التى تبحث التشابه والاختلاف بين الإنتاج الروائى فى مجمل القارة سواء منه باللغات الوافدة، الإنجليزية والفرنسية والبرتغالية، أو باللغات المحلية وعلى رأسها العربية والسواحيلية، بحسب ما تحلل عاشور.
ولهذا فإن المنطقة التى اختارتها تشترك مجتمعاتها فى واقعها الاقتصادى والاجتماعى والسياسى والثقافى إلى حد بعيد، مما يسهل على الدارس تناول الإنتاج الروائى لكُتابها فى دراسة واحدة دون السقوط فى التعميم أو التبسيط المخل، كذلك توضح عاشور أن محدد اختيارها الآخر كون هذه المنطقة قد شهدت زخما إبداعيا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية وحتى الآن مما جعلها من أكثر مناطق القارة عطاء، وجعل كُتابها يشكلون النسبة الغالبة بين الكُتاب الإفريقيين الذين يكتبون بالإنجليزية والفرنسية.
قناعة عميقة بضرورة الاتصال الثقافى وجدواه بل ضرورته الملحة بين بلدان العالم الثالث عمومًا، والقارة الإفريقية بشكل خاص، هى التى دفعت وحركت وحرضت الناقدة الجليلة رضوى عاشور لإنجاز هذه الدراسة وإضاءة تلك الأعمال اللافتة فى الأدب الإفريقى بتناولاتها النقدية الكاشفة. ليس فقط لما تواجهه هذه البلاد من مشاكل مشتركة وتطلعات مماثلة، ولكن أيضًا لما فى فنونها وآدابها من قيم تحررية وإبداعية، تجعل منها روافد قوية وجديدة تصب فى نهر الثقافة الإنسانية... (وللحديث بقية).

التعليقات