الإثنين 20 مايو 2019 2:41 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما مدى رضاك عن الدراما الرمضانية للموسم الجاري؟

الانتخابات الإسرائيلية: صعود اليمين المتشدد ومستقبل إسرائيل

نشر فى : الخميس 25 أبريل 2019 - 10:35 م | آخر تحديث : الخميس 25 أبريل 2019 - 10:35 م

حسمت الانتخابات التشريعية الإسرائيلية جدلا استمر عدة أسابيع، تعددت خلاله السيناريوهات وتنوعت الرؤى، وراهن البعض على أن نتنياهو سيتلقى ضربة قوية على يد حزب «أزرق أبيض» الصاعد بقوة بقيادة الجنرال جانتس، إلا أن تلك التكهنات والتقديرات التى جانبها الصواب، فاتتها القراءة الدقيقة لمحددات الواقع الحالى وهو سيطرة اليمين المتشدد بشكل غير مسبوق، واتساقا مع المناخ السائد على الساحة الدولية.

الأغلبية بالكنيست اختاروا نتنياهو مرة أخرى ليصبح بذلك أكثر السياسيين بقاء بالحكم شأنه فى ذلك شأن الآباء المؤسسين للدولة مثل بن جوريون، وهكذا ما كان يصبو إليه إذ إنه لا شىء يعلو على مكانته ومواقفه التى سوف يرويها التاريخ الصهيونى، فهو ابن لمؤرخ إسرائيلى شهير (بن زيون نتنياهو)، فضلا عن إعلائه لمصالحه الشخصية بحسب ساسة وأكاديميين إسرائيليين ذات شأن، وبالتالى تم تكليفه من قبل رئيس الدولة بتشكيل الحكومة، ويمنح له القانون الإسرائيلى 28 يوما للتشاور من أجل تشكيل الحكومة ويمكن أن تمتد 14 يوما إضافيا إذا تعثرت المشاورات وتعقدت المفاوضات بين الأحزاب.

وبنظرة سريعة نرى أن نتنياهو حصل على توصية 65 عضوا من الكنيست لتشكيل الحكومة وهؤلاء الأعضاء هم جميع الأحزاب اليمينية والدينية المتشددة، ويمثلون أحزاب «الليكود» و«شاس» و«يهودية التوراة» و«اتحاد أحزاب اليمين» و«كلنا» و«إسرائيل بيتنا».

وجميع التقديرات تشير إلى أن اليمين الإسرائيلى الذى يسيطر على سياسات الحكومة سيكون أكثر تطرفا من الحكومات السابقة، لاسيما بعد أن وعد نتنياهو فى حال فوزه بالانتخابات بضم المستوطنات بالضفة الغربية على غرار ما حدث فى الجولان المحتلة استنادا لاعتبار أن أى أرض احتلتها إسرائيل فى حرب دفاعية تعطى لها حق السيادة عليها، وقد رفعت تلك الوعود أسهمه لدى اليمين المتشدد فى الفترة الأخيرة، والذى لا شك سيضغط عليه من خلال الأحزاب اليمينية ليس فقط للوفاء بتلك الوعود بل إلى ما هو أكثر من ذلك حيث يطالبه بالفعل اتحاد أحزاب اليمين الجديد بضم المنطقة (C) بأكملها من الضفة الغربية، كما أعلن رفضه مقدما لصفقة القرن إذا كانت تتضمن أى تنازلات عن أراض للفلسطينيين.

***
ومما لا شك فيه أن نتنياهو سيواجه عقبات أخرى أمام تشكيل حكومة ائتلافية وعلى رأسها مشكلة قانون التجنيد المطروح والذى يلزم الحريديين (اليهود المتدينين) بالخدمة العسكرية مثل العلمانيين، فقد هدد حزب «يهدوت التوراة»، الذى ارتفع تمثيله فى الكنيست الحالى إلى 8 مقاعد، بأنه إذا قرر الائتلاف طرح هذا القانون، فإنه لن ينضم إلى الائتلاف الحكومى، وفى المقابل هدد ليبرمان (5 مقاعد) ــ الذى سبق أن تولى حقيبة الدفاع ويتطلع لتوليها مجددا خلال التشكيل الحكومى المرتقب ــ بالانضمام للمعارضة إذ لم يحصل على تعهد بتمرير القانون ضمانا لتحقيق مبدأ المساواة فى تحمل الأعباء بين المواطنين خاصة أنه يمثل العلمانيين من الروس ومولدوفا (مسقط رأسه)، وبالتالى لن يستطيع نتنياهو تشكيل حكومة ائتلافية فى حال أصر الجانبان على موقفهما وانسحب أحدهما من الائتلاف.

يضاف إلى ذلك القضايا الثلاث التى تلاحقه، لاسيما بعد أن أوصت الشرطة الإسرائيلية بتوجيه لائحة اتهام بحقه بعد جمع الأدلة والاستماع إلى الشهود، ورفع الأمر إلى المستشار القانونى للحكومة باعتباره هو من يملك توجيه لائحة الاتهام لكبار المسئولين، وبدوره أوصى بتوجيه لائحة اتهام بحق نتنياهو فى تلك القضايا والذى ينتظر مثوله أمام جلسة استماع أمام المستشار القانونى فى شهر يوليو القادم فى محاولة لتبرئة نفسه.

وعلى الرغم من العقبات التى يواجهها نتنياهو فى تشكيل الائتلاف الحكومى، بل مستقبله السياسى، فإن هناك تقديرات كثيرة من دوائر سياسية ودبلوماسية داخل وخارج إسرائيل ترحج قدرة «الداهية» نتنياهو على تجاوز كل هذه العقبات، فخبرته وحنكته السياسية تجعلانه مؤهلا للوصول إلى ما يريده سواء كان الأمر متعلقا بمشكلة قانون التجنيد من خلال إقناع أحد الأطراف بالتراجع عن موقفه أو التوصل إلى حل وسط، أو فيما يتعلق بالقضايا التى تلاحقه، فهناك العديد من الآراء تراهن على أنه قادر على التسويف والمماطلة لأطول وقت ممكن والاستخدام الأمثل والتمسك بالحصانة التى يتمتع بها كرئيس للوزراء لاسيما أنه أثبت خلال الأيام القليلة الماضية أن لديه قدرات تفوق جميع الشخصيات السياسية فى المشهد الإسرائيلى الداخلى.

فقد استطاع نتنياهو ــ على الرغم من الحملات المكثفة ضده والتشكيك فى ذمته وتراجع شعبيته، وفقا لعدد لا بأس به من استطلاعات الرأى ــ أن يستعيد مكانته، وحصل حزب «الليكود» فى تلك الانتخابات الأخيرة على أكبر عدد من الأصوات فى تاريخ إسرائيل (35 مقعدا)، باستثناء حالة واحدة فقط وهى انتخابات 2003 التى حصل فيها «الليكود» برئاسة أرييل شارون على 38 مقعدا.

***
أما الأحزاب الأخرى التى تنتمى للوسط واليسار، فقد أثبتت نتائج الانتخابات ضعفها الشديد. فحتى «أزرق أبيض» الذى كان متوقعا أن يحصل على أصوات أكثر من «الليكود»، وعلى الرغم من حصوله على 35 مقعدا متساويا مع «الليكود»، فإنه لا يستطيع من قريب أو بعيد تشكيل ائتلاف بسبب عدم تمكنه من الحصول على تشكيل ائتلاف يوازى 61 مقعدا على الأقل فى الكنيست، وهو ما يرجع إلى عدة أسباب الأول هو أن حزب «أزرق أبيض» يتألف من حزبين حديثى العهد بالحياة السياسية هما حصانة إسرائيل بقيادة بينى جانتس وتيليم بقيادة موشى يعالون وزير الدفاع الأسبق، وهما الحزبان اللذان تأسسا فى يناير الماضى، أى قبل ثلاثة أشهر فقط، ومن ثم فإنهما يفتقران إلى قواعد انتخابية، إلى جانب حزب «هناك مستقبل» بقيادة يائير لابيد الذى يمارس نشاطه السياسى على مدى سبعة أعوام دون إحراز نقلة فى تأييده على مستوى الرأى العام. وثانيا: إن حصوله على مقاعد تساوى «الليكود» يمكن تفسيره بأن جزءا منها خصمٌ من قواعد حزبى العمل وميريتس اللذين حققا تراجعا فى شعبيتهما، وثالثا: لم يحالف «أزرق أبيض» التوفيق عندما رفع سقف برنامجه لإرضاء اليمين المتشدد بتبنى مواقف متشددة ضد عملية السلام والتعامل مع الفلسطينيين أملا فى كسب أصوات اليمين، وراهن على جذب اليمين دون أن يحسب جيدا قدرات الخصم القوى «نتنياهو».

أما حزب العمل، والذى يعد أحد الأحزاب الرئيسية فى إسرائيل وهو من شكل أول حكومة، وأكثرها وصولا للسلطة، فلم يحصل إلا على 6 مقاعد فقط وهو ما يعتبر نكسة تاريخية غير مسبوقة فى تاريخه تضيف لرصيده السلبى من التواجد، ليس فقط فى مقاعد الاحتياط بالمعارضة فى الكنيست بل أيضا تراجعه من منصب زعامة المعارضة فى الكنيست السابق إلى المركز الثالث بعد «أزرق أبيض» وقائمة الحزبين العربيين «الجبهة» و«الحركة العربية للتغيير». وهو ما يعكس واقعا مؤلما لما وصل إليه اليسار الإسرائيلى. ويحمل اليساريون الإسرائيليون مسئولية هذا التراجع الكبير إلى «آفى جباى»، رئيس حزب العمل، والذى كان يلعب على أوتار الجانبين تارة نحو اليسار وأخرى نحو اليمين بغية استقطاب اليمين الناعم والوصول للسلطة.

***
وبالنسبة للأحزاب العربية، فلم تفلح فى المحافظة على ائتلافها تحت مظلة واحدة وهى القائمة المشتركة وانقسمت إلى تكتلين، بل لم تنجح حتى فى الحصول على عدد مقاعد الكنيسيت السابق (13 مقعدا) حيث حصلت فقط على 10 مقاعد. ويعكس هذا الإخفاق الحالة المزرية للتمثيل العربى، والذى يتحمل النواب العرب مسئولية الإخفاق فى توحيد صفوفهم بسبب تطلعات شخصية ضيقة على حساب المصلحة العامة، فضلا عن عزوف عدد كبير من الوسط العربى عن الإدلاء بأصواته فى الانتخابات بسبب حالة الإحباط واليأس من سياسات الحكومة الإسرائيلية اليمينية، ويضاف إلى ذلك حملات التحريض التى يتعرضون لها من قبل اليمين المتشدد وكان آخرها التغريدة التى وضعها نتنياهو على صفحته الشخصية قبل الانتخابات بأيام قائلا: «إذا فاز بينى جانتس، فإنه سيقوم بتشكيل حكومة مدعومة من العرب لإقامة حكومة يسار تشكل خطرا على دولة إسرائيل»، بل ويطلق اليمين المتشدد على العرب فى إسرائيل «إرهابيين».

ويلاحظ أن تلك الانتخابات عكست فشل ظاهرة الأحزاب القائمة على أشخاص بعينها مثل «اليمين الجديد» بقيادة نفتالى بينيت وإيليت شاكيد قطبى حزب البيت اليهودى سابقا واللذين كانا على اقتناع بقدرتهما على حصد مقاعد ما بين 9 ــ 11، إلأ أن حزبهما حديث النشأة لم تكن له قواعد انتخابية أو أيديولوجية واضحة باستثناء شخصيتهما التى راهنا عليها.

خلاصة القول أن الانتخابات الإسرائيلية الأخيرة أفرزت واقعا جديدا ينهى تماما أى أمل لفرص للسلام الشامل والعادل ويفضى لمزيد من التطرف. فاليمين المتشدد أصبح يسيطر تماما ويقود السفينة الإسرائيلية، وبات اليسار أو حتى الوسط لا وجود أو تأثير له، بل ويحاول إرضاء ومجاراة اليمين بغية الحصول على طوق نجاه يبقيه على قيد الحياة.

الوسط الإسرائيلى واليهودى العلمانى داخل وخارج إسرائيل والذى يمثل شريحة كبيرة من المجتمع اليهودى، ليس راضيا بما يحدث، وتنتابه مخاوف جمة إزاء سياسات وممارسات اليمين المتشدد المدعوم من الإدارة الأمريكية الحالية، والذى لا يؤمن إلا بلغة القوة وفرض الأمر الواقع وطمس حقوق الآخرين وتجاهل صورة إسرائيل فى الخارج، تلك المواقف التى لن يتمخض عنها إلا توريط إسرائيل ووضعها على حافة الهاوية ولا سيما الأجيال القادمة، ويزيد من الانقسام داخل المجتمع اليهودى وتشويه صورة إسرائيل وزيادة كراهية واحتقان المجتمع الدولى ضدها، وخاصة مع تطبيق قانون القومية الذى أقره الكنيسيت العام الماضى والذى يكرس التمييز بشكل قانونى وصريح ضد العرب الذين يمثلون 20% من سكان إسرائيل، مما يدفع نحو تصنيف إسرائيل بالدولة العنصرية، ويزيد من عزلتها إقليميا ودوليا ويضع ديمقراطيتها ــ التى تتباهى بها ــ على المحك.

التعليقات