عالم التكنولوجيا - محمد زهران - بوابة الشروق
الإثنين 6 ديسمبر 2021 11:10 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

برأيك.. إلى أي مرحلة سيصل المنتخب المصري في كأس العرب؟


عالم التكنولوجيا

نشر فى : السبت 26 نوفمبر 2016 - 10:00 م | آخر تحديث : السبت 26 نوفمبر 2016 - 10:00 م
بدأنا هذه المقالات بالحديث عن الكثير من علماء مصر في المئة عام الأخيرة وسنعاود الحديث في هذا الموضوع لأن القائمة ما زالت طويلة، ثم تكلمنا عن بعض العوامل التي تؤثر في مسيرة العلم مثل القراءة العلمية والتعليم وفلسلفة العلوم وأيضا ما زالت القائمة طويلة، كل هذه الموضوعات متصلة بالعلم وتاريخه وفلسفته، واليوم سنبدأ الحديث عن موضوع آخر متصل بالعلم وهو التكنولوجيا والأشخاص المتصلين بها وتاريخ الشركات التي تعمل في هذا المجال وعلاقاتها بالبحث العلمي وتأثيرها عليه وتأثرها به، فالعلم يهدف إلى فهم الدنيا من حولنا ومن ثم تطويع ما نستطيع تطويعه لرفاهية البشر والتأقلم مع ما لا نستطيع تطويعه ولكي يحدث ذلك لابد أن تتحول النظرية إلى تطبيق وهذا هو دور التكنولوجيا التي تحول النظريات العلمية إلى إخترعات وخدمات لرفاهية البشر وإذا أخذنا الطب كمثال فإن تاريخ الطب والأمراض التي كانت مميتة من قبل والتي أصبحت قابلة للعلاج اليوم خير دليل على تطبيق الإكتشافات والنظريات العلمية لخدمة البشر.

وليام شوكلى (William Shockley) عالم فيزيائي أمريكا حاصل على جائزة نوبل في الفيزياء عام 1956 (مع عالمين آخرين) عن إختراعه للترانزيستور، وفى نفس عام حصوله على الجائزة يترك شوكلى عمله في معامل بل (Bell Labs) في نيوجيرسي ويسافر إلى مدينة ماوتين فيو بولاية كاليفورنيا لينشئ شركة لتحويل إكتشافه إلى منتجات (ملحوظة جانبية: هذه الشركة في هذا المكان هي أول من بدأت ما نسميه الآن Silicon Valley أو وادى السيليكون الذى يضم أكبر الشركات التكنولوجية في العالم) وهنا نرى الإنتقال من العلم للتكنولوجيا ولكنه كان إنتقالاً فاشلاً كما سنرى.

كان العالم العبقرى إدارياً فاشلاً لدرجة أنه قد استخدم أجهزة كشف الكذب على العاملين عنده، نتيجة هذه الإدارة الفاشلة أنه في يوم واحد ترك ثمانية من أهم الباحثين في شركته العمل عنده وسماهم الخونة الثمانية (Traitorous eight)، لنترك شوكلى وشركته (التي لم تعش طويلاً بعد هذه الصدمة) ونكمل المسيرة مع هؤلاء الخونة الثمانية الذين أنشأوا معاً شركة فيرشايلد (Fairchild Semiconductor) والتي كانت من أهم شركات الإلكترونيات (تبسيط مخل قليلاً) في العالم، شخصان من هؤلاء الثمانية تركوا الشركة في أواخر الستينات من القرن الماضى و أنشأوا شركة ذائعة الصيت الآن وهى شركة أنتل (Intel) وهى إختصار لكلمتى (Integrated Electronics) أو الإلكترونيات المتاكملة وهى شركة لها عدة منتجات من أهمها الميكروبروسيسور (Microprocessors) الذى تستطيع لأن تعتبره المخ لكل أجهزة الكمبيوتر التي نستخدمها من أول التليفون المحمول وحتى أجهزة الكمبيوتر العملاقة التي تستخدم في تشغيل مواقع مثل الفيسبوك وتويتر وتستخدم أيضاً في الأبحاث العلمية، هذان الشخصان هما جوردن مور (Gordon Moore) وروبرت نويس (Robert Noyce) وقد أخذا معهما باحث صغير كان مساعداً لهما في فيرشايلد اسمه أندى جروف (Andy Grove) والذى سيصبح إدارياً ذائع الصيت بعد تنحى روبرت نويس عن الإدارة.

جوردن مور كان عالماً كبيراً وباحثاً عظيماً ولكنه كان لا يهتم بالإدارة، أما روبرت نويس فكان له شبكة علاقات كبيرة نظراً لشخصيته الساحرة وحضوره القوى وقوة معلوماته ولكنه كان لا يهتم بالإنضباط في العمل أو إدارة العاملين معه، أندى جروف كان إدارياً كبيراً ويعامل العاملين معه بالشدة ولكنه يعرف متى يلين وكتب عدة كتب في مجال الإدارة لاقت إنتشاراً واسعاً مثل (High Output Management) أو "الإدارة ذات الإنتاج الكبير" و (Only the Paranoid Survive) أو "فقط المرضى بجنون العظمة يعيشون".

هؤلاء الثلاثة نجد تحليل لحياتهم وعلمهم وطرق إدارتهم لشركات تكنولوجية كبيرة في الكتاب الرائع لمايكل مالونى (Michael Malone) والمسمى (The Intel Trinity) أو "ثالوث إنتل".

استعرضنا سريعاً الإنتقال من النظرية العلمية للتطبيق من شوكلى إلى شركة فيرشايلد إلى شركة إنتل، هؤلاء الشركات الثلاثة ينتجون أشياء تعتمد كلها تقريباً على النظرية التي حاز من أجلها وليام شوكلى (مشاركة مع جون باردين وولتر براتين) على جائزة نوبل.

في رحلة هذه النظرية من علياء العلم إلى أرض الواقع استعرضنا عدة أشكال للإدارة وكان أسوأها هو العالم الحاصل على نوبل وهذا معناه أن التميز الكبير في علم ما (وهو هنا علم الفيزياء) لا يعنى بالضرورة التميز في علم آخر (وهو علم الإدارة) ونرى هذه المشكلة كثيراً في بلادنا عندما نجد مذيعاً أو مذيعة تسأل فناناً أو رياضياً عن رأيه في مشكلة إقتصادية مثلاً!! هذا جهل من المذيع أو المذيعة وعدم تقدير من الضيف إذا رد على السؤال بأية إجابة بخلاف "هذا ليس تخصصى" حتى وإن كان له رأى لأنه بهذا يتكلم في غير تخصصه ليظهر بمظهر المثقف!

إذا أخذت نوبل في الفيزياء فلا يعنى هذا أن تأتى لتدير شركة أو جامعة، هنا قد يسأل شخص ما: أليس من الممكن أن يكون موهوباً أيضاً في الإدارة؟ من الممكن أن يحسن الإدارة ولكن المؤكد أنه يحسن الفيزياء أكثر فأنت تأخذه مما يبرع فيه لتضعه فيما يمكن أن يحسنه وهذا أضر بالعلم والإدارة معاً!

للعلم رجاله (مثل ويليام شوكلى وجوردن مور) وللإدارة رجالها (مثل أندى جروف) وهناك فرقة تحسن التكلم في هذا وذاك (مثل روبرت نويس الذى ذكرناه) وهى التي تربط العالِم بالإدارى فلنضع كل في مكانه لنصل إلى أفضل النتائج.
محمد زهران عضو هيئة التدريس بجامعة نيويورك فى تخصص هندسة وعلوم الحاسبات، حاصل على الدكتوراه فى نفس التخصص من جامعة ميريلاند الأمريكية، له العديد من الأبحاث العلمية المنشورة فى الدوريات والمؤتمرات الدولية، بالإضافة إلى الأبحاث والتدريس.. له اهتمامات عديدة بتاريخ وفلسفة العلوم ويرى أنها من دعائم البحث العلمى، يستمتع جداً بوجوده وسط طلابه فى قاعات المحاضرات ومعامل الأبحاث والمؤتمرات، أمله أن يرى الثقافة والمعرفة من أساسيات الحياة فى مصر.
التعليقات