«الهلال».. أطول المجلات الثقافية العربية عُمرًا - العالم يفكر - بوابة الشروق
الأحد 26 مايو 2024 12:35 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد دعوات مقاطعة بعض المطاعم التي ثبت دعمها لجنود الاحتلال؟

«الهلال».. أطول المجلات الثقافية العربية عُمرًا

نشر فى : الأحد 1 أكتوبر 2017 - 10:20 م | آخر تحديث : الأحد 1 أكتوبر 2017 - 10:20 م
نشرت مؤسسة الفكر العربى مقالا للكاتب «محمد عزت» ــ نائب مدير المشروعات الخاصة فى مكتبة الإسكندرية ــ والذى يتحدث فيه عن تطور مجلة «الهلال» التى تعتبر أطول المجلات الثقافية العربية عُمرا، والتى أسهمت فى إفساح مجال التطور الفكرى بين المدارس المتعددة منذ وقت صدورها. 

يبدأ الكاتب حديثه بالإشارة إلى أن مجلة «الهلال» تعد أطول المجلات الثقافية العربية عُمرا، فهى المجلة العربية الوحيدة بين المحيط والخليج التى تُوالى الصدور بلا انقطاع منذ 125 عاما، فقد صدر العدد الأول منها فى أول سبتمبر 1892، وكانت لتاريخ الصدور هذا دلالةٌ خاصة طبعت هذه المجلة بطابع فريد، وأهلتها لأن تكون رمزا لمرحلة جديدة فى التاريخ العربى بعامة، واتجاها جديدا فى الثقافة العربية.

جاء صدور العدد الأول من المجلة بعد مرور 10 سنوات على هزيمة الثورة العُرابية والاحتلال البريطانى لمصر، وقد أسهم ذلك فى إفساح مجال التطور الفكرى بين المدارس المتعددة، وبرزت الحاجة إلى وضع اليد على أدوات العصر الحديث من العلوم والمخترعات، لكى تتم الاستجابة لتحدى الإنجليز الذين يحكمون البلاد بخمسة آلاف عسكرى، وجاءت مجلة «الهلال» لتلعب دَورا رائدا فى تحديث الفكر العربى، وتفتح آفاقا جديدة لثقافة التطور.

من القاهرة، كانت مجلة «الهلال» على مر تاريخها مصدرا للإشعاع الفكرى للعرب جميعا، وكأن ثمة اتفاقا غير مكتوب على الالتفاف حولها، وذلك بحسب ما كتب مصطفى نبيل فى مقدمة كِتاب «مصر والعالَم يوم صدر الهلال» (1992) الذى صدر احتفالا بمئوية المجلة.

ولأن الحديث عن مجلة «الهلال» ونشأتها وتطورها والأشكال التى اتخذتها على مر تاريخها يطول، سوف نكتفى بإلقاء الضوء على السنين الأولى لهذه المجلة، عن طريق التعرض لظروف نشأتها، والإحاطة بالفترة التاريخية التى ظهرت فيها، والتعرف إلى الحياة الثقافية والصحفية قبيل ظهورها.

***

يوضح الكاتب أن المجلة صدرت فى إحدى اللحظات الدقيقة فى التاريخ المصرى، فى أواخر القرن التاسع عشر وعلى مشارف القرن العشرين. وقد انقسمت الصحافة وقتها قسمَين؛ قسم يُشايع تركيا ويُندِد بالاستعمار، وقسم يدافع عن الإنجليز ويذيع مساوئ العهد التركى، وذلك كان متمثلا فى جريدة «المقطم» التى أنشأها الاحتلال لنفسه.

ومع هذا، فقد بدأ الحقل الصحفى فى الصحوة بعد خموله؛ حيث ظهرت صُحف وطنية وعلمية وثقافية عدة، منها جريدة «المؤيد» لصاحبها الشيخ على يوسف رائد الصحافة العربية الوطنية فى مصر وكان ذلك قبل صدور مجلة «الهلال» بثلاث سنوات؛ وبدأ يتوالى صدور الصحف والمجلات، وكان ذلك على يد الكتاب العرب المُهاجرين من بلاد الشام، ومنهم الكاتب المفكر جرجى زيدان الذى أصدر مجلة «الهلال» وجعَل منها مجلة عربية ثقافية أدبية، وكذلك أصدر الزعيم الوطنى عبدالله النديم مجلة «الأستاذ» قبل صدور مجلة «الهلال» بيومَين فقط.

صدر العدد الأول من مجلة «الهلال» فى شهر سبتمبر 1892، من مطبعة التأليف التى صارت فى ما بعد مطبعة «الهلال»، التى كانت تحتل دكانا فى حى الفجالة العريق (حى المَطابع)، وبدأت فكرة المطبعة نفسها عندما حدَد جرجى زيدان مستقبله فى العمل الثقافى، فاشترك مع نجيب مترى (صاحب دار المعارف فى ما بعد) فى مطبعة لطبع الكُتب عام 1891، وهى «مطبعة التأليف»، وسرعان ما دب الخلاف بينهما، فاستقل زيدان بالمطبعة وأخذ يعمل على تطويرها، إلى أن التقى يوما فى مقهى «الشانزليزيه» مع بعض أصدقائه وكان من بينهم إبراهيم اليازجى ــ وكان عالِما لغويا وشاعرا وأديبا وصحفيا ــ واتفق معه باعتباره صانعا لأمهات الحروف العربية التى تُطبَع بها الكُتب على صنع مجموعات من الحروف العربية مختلفة المقاسات، وهى التى طُبعت بها مجلة «الهلال» فى مرحلة من مراحلها.

وكان الإخراج الصحفى للعدد الأول من المجلة بسيطا للغاية، غير مزدحم بالرسوم والألوان، وإنما مُحاطا بإطار زخرفى فقط، يتصدره عنوان المجلة بخط بارز أسفله التعريف بها على أنها «مجلة علمية تاريخية أدبية» لمُنشئها جرجى زيدان، مع ذكر قيمة الاشتراك (خمسون قرشا)، وطبعت بمطبعة الهلال فى الفجالة، وكُتبت هذه العبارات باللغتَين العربية والإنجليزية، فضلا عن تاريخ الصدور الذى تقدم فيه التاريخ الإفرنجى على التاريخ العربى بعكس المجلات الأخرى الصادرة فى هذا الوقت (أحمد حسين الطماوى، الهلال: مائة عام من التحديث والتنوير، 1992). وقد حرص صاحبها على استهلال العدد الأول من المجلة بتوضيح الغاية من إصدارها وسبب تسميتها «الهلال». ففى فاتحة العدد الأول كتب جرجى زيدان يقول: «أما الغاية التى نرجو الوصول إليها فإقبال السواد على مُطالعة ما نكتبه ورضاؤهم بما نحتسبه وإغضاؤهم عما نرتكبه فإذا أتيح لنا ذلك كنا قد استوفينا أجورنا فننشط لما هو أقرب إلى الواجب علينا»، مؤكِدا بذلك أن قيمة العمل الصحفى فى الوصول إلى القارئ وإرضاء ذوقه وإشباع حاجاته العلمية والثقافية، وهو ما التزم به زيدان على مدى إدارته للمجلة؛ فهو لم يكتف بالوصول إليه بلغة سهلة وسلسة، وإنما أفرد ركنا لأسئلة القراء، وحرص على الإجابة عن أسئلتهم، وعلى طرح الموضوعات التى يرغبون فى معرفتها، وكان يستجيب لاقتراحاتهم؛ لأنها «تنبِه إلى موضوعات كثيرة لم يتم التطرق إليها ولم تَرِد على ذهن محررى المجلة»، وكانت الإجابة عنها إضافة للكاتِب بقدر ما كانت إضافة للقارئ؛ حيث إن البحث عن إجابات عن أسئلة القراء يزيد فى ثقافة الكاتِب، ويُذكر فى هذا الشأن أن أحد القراء طلب ذكر شىء عن «تاريخ آداب اللغة العربية» فأجابه زيدان بسلسلة طويلة متلاحقة من المقالات المدروسة.

وعن سر اختيار هذا الاسم، يقول جرجى زيدان فى العدد الأول من المجلة (الأول من أيلول/ سبتمبر 1892):
«وقد دَعوْنا مجلتنا هذه «الهلال» لثلاثة أسباب.. أولا: تبركا بالهلال العثمانى الرفيع الشأن، ثانيا: إشارة إلى ظهور هذه المجلة مرة فى كل شهر، ثالثا: تفاؤلا بنموها مع الزمن حتى تتدرج فى مدارج الكمال. فإذا لاقت قبولا وإقبالا أصبحت بدرا كاملا بإذن الله».

***

حدد زيدان فى العدد الأول مادة المجلة وشرح تبويبها، وقد كانت فى أول صدور لها مقسَمة إلى خمسة أبواب هى:
أولا: باب «تاريخ الحوادث وأعظم الرجال»، وكان يتحدث عن واقعة كبيرة، أو شخصية بارزة أثرت فى الحركة التاريخية أو العلمية أو الأدبية، سواء كانت من القدماء أم من المحدثين، من الشرقيين أم الغربيين.

ثانيا: باب «المقالات»، وكان يشتمل على مقالات تتسم بسهولة الأسلوب ووضوح الفكرة فى مختلف الموضوعات؛ فقد ورد فى هذا الباب فى العدد الأول مقال بعنوان: «الجرائد العربية فى العالَم» تحدث عن الصحف الصادرة فى القطر المصرى فى تلك الفترة، وقام بتصنيفها وترتيبها أبجديا مثل: صحيفة أبو نضارة، والأحكام، والتنكيت والتبكيت، وروضة الإسكندرية، وروضة المدارس، وغيرها. كما نشر قائمة بالصحف التى صدرت فى سوريا والأستانة، هذا فضلا عن الصحف العالمية الأخرى التى صدرت فى الدول الأجنبية مثل: قبرص، وإيطاليا، وفرنسا.

ثالثا: باب «الروايات»، تحدث جرجى زيدان عن هذا الباب فى افتتاحية العدد الأول قائلا: «سنُدرج فيه من الروايات على مثال ما كتبناه مما هو تاريخى أدبى ممثِل لعادات الشرقيين وحوادثهم، مُوافِق لأذواقهم، خالٍ من الحوادث الأجنبية والمسميات الأعجمية فنُدرج فى كل جزء من الهلال جزءا من الرواية وما تحتاج إليه من الرسوم».

رابعا: باب «تاريخ الشهر»، وقد احتوى هذا الباب على الكثير من الأخبار المحلية، وأهم الأحداث العالمية شهريا، وكان هذا الباب بمثابة تغطية صحافية لما يشهده القطر المصرى من وقائع سياسية، أو أحداث اجتماعية، أو أخبار ثقافية.

خامسا: باب «منتخبات من الأخبار»، وفيه يتناول نقد الأعمال الأدبية، وأهمية الباب الجديد أنه «حفظ لنا نبذا وكلمات عن كُتب وجرائد ومجلات لا وجود لها فى دار الكُتب المصرية». وتغير اسم الباب فى ما بعد إلى «مطبوعات جديدة»، بعدما ضاق الكِتاب بغلبة لذعة الانتقاد لدى زيدان على المديح.

كانت هذه هى أبواب «الهلال» فى سنتها الأولى، وأضيفت إليها فى ما بعد أبواب أخرى أثْرَت مادتها وجعلتها أكثر إفادة وتشويقا، مثل «صحة العائلة»، وباب «رسوم مشاهير العصر»، وباب «عجائب المخلوقات» ــ المقتبس من باب «عجائب الخلق» فى سابقتها «المقتطف»، وأبواب «غرائب العادات والأخلاق» و«التهانى» و«التعازى»، و«السؤال والاقتراح»، الذى يفتح المجال لأسئلة القراء واقتراحاتهم.

***

بدأت مجلة «الهلال» فى أول الأمر تصدر كل شهر حتى نهاية السنة الأولى، وفى أثناء تلك الفترة ظهرت رغبة كثير من القراء فى زيادة حجم المجلة، واقترح البعض أن تصدر مرتَين فى الشهر. وبالفعل تحقق هذا الاقتراح فى السنة الثانية، فصدرت المجلة مرتَين فى الشهر، مرة فى أوله ومرة ثانية فى منتصفه، وأصبح عدد أجزاء «الهلال» فى السنة أربعة وعشرين جزءا، يحتوى كل جزء على 32 صفحة، كما تمت إضافة باب سادس وهو «باب السؤال والاقتراح» فأصبحت المجلة تتكون من ستة أبواب، وقام جرجى زيدان عام 1893 بزيادة عدد صفحات المجلة 16 صفحة فأصبح مجموع الجزأين 80 صفحة فى الشهر، وأضاف جرجى زيدان بابا سابعا هو «باب الأخبار العلمية» تحدث فيه عن الاختراعات والابتكارات والاكتشافات التى يشهدها العِلم والصناعة، وذلك تحقيقا لما وعد به القراء من زيادة وتحسين كلما رأى منهم إقبالا وتشجيعا.

فى السنة الرابعة على صدور «الهلال» أضاف جرجى زيدان بابا ثامنا شمل قسما من فصول رواية تاريخية، ثم أضاف بعد ذلك تاسع أبوابها وهو «باب مشاهير العصر»، كما ابتكر بابا آخر هو «صحة العائلة». وأدخل بعد ذلك مجموعة من التطورات على المجلة، فقد زُينت صفحاتها بعدد من الرسوم الواضحة، وأحاط كل صفحة إطارٌ يفصل الكلمات عن الهامش، واستمرت «الهلال» تصدر مرتين فى الشهر. وابتكر جرجى زيدان بابا جديدا اسمه «عجائب المخلوقات» كان هدفه الأساسى عرض أغرب ما فى الطبيعة من مخلوقات.

ختاما يذكر الكاتب أن «الهلال» بدأت فى سنتها العاشرة فى تقديم هدايا للمشتركين فيها صورة كُتب من مؤلفات جرجى زيدان، واستطاعت المجلة منذ صدورها زيادة توزيعها فى أرجاء العالَم كافة، فكان لها مشتركون وقراء فى مختلف أنحاء الوطن العربى، فضلا عن الهند وأستراليا وروسيا والولايات المتحدة وأمريكا اللاتينية، وهذا التوسع لم تعرفه الصحافة العربية إلا بصدور مجلة «الهلال».

النص الأصلي

 

التعليقات