من قلبى سلام لكردستان - رابحة سيف علام - بوابة الشروق
الثلاثاء 7 أبريل 2020 11:01 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع احتواء أزمة كورونا في المنطقة والعالم قريبا؟

من قلبى سلام لكردستان

نشر فى : الإثنين 5 أكتوبر 2015 - 10:55 ص | آخر تحديث : الإثنين 5 أكتوبر 2015 - 10:55 ص

لا أفهم أين وكيف ومتى بدأ العداء بين العرب والأكراد؟ وهل بدأ من سوريا أم من العراق؟ أو بمعنى أدق هل بدأ من بعث سوريا أم من بعث العراق؟ فالقومية العربية لم تكن متضادة بالضرورة مع القومية الكردية وحقهم فى ممارسة تقاليدهم وثقافتهم الثرية ولا حقهم فى تنظيم أنفسهم ضمن أحزاب وجمعيات نشطة. ولذلك كان عبدالناصر نصيرا لهم وأطلق من القاهرة أول إذاعة ناطقة بالكردية موجهة لكل أكراد المنطقة، واستقبل قادتهم وأثنى على كفاحهم لتأكيد هويتهم. وعندما احتج السفير التركى على إطلاق الإذاعة الكردية من القاهرة، رد عليه ناصر بهدوء لماذا تحتج؟ هل فى تركيا أكراد؟ فقال السفير بالطبع لا، فرد ناصر إذن لا داعى للقلق من جانبكم.

الأكراد قومية قائمة بذاتها يقدر حجم شعبها بين 30 إلى 40 مليونا حول العالم، تتوزع أغلبيتهم بين دول المنطقة، بواقع 20 مليونا بتركيا ونحو 8 ملايين بإيران ونحو 5 ملايين بالعراق ونحو مليونين بسوريا، بالإضافة إلى أعداد متفرقة بأرمينيا ودول آسيوية أخرى. فى مزاد تكوين الدول القومية إبان سايكس بيكو، أغفلت الدول الكبرى حق الأكراد ومزقتهم بين دول عدة، فيما توزع العرب بين دول عدة. فما نال هؤلاء دولتهم وما حقق أولئك وحدتهم المنشودة إلا عبر الأغانى القومية الحماسية.

اصطدم بهم صدام حسين وعاث فيهم فسادا وتقتيلا وقصفا بالكيماوى والأسلحة المحرمة دوليا حتى نالوا إدارة ذاتية لمناطقهم بشمال العراق منذ حرب تحرير الكويت مطلع التسعينيات. بينما حذى البعث السورى حذو أخيه العراقى وحرمهم من الجنسية السورية ومارس بحقهم تهجيرا عرقيا وجلب لهم قبائل عربية فى مناطقهم، كى تنازعهم فيها فلا يسهل لهم التطلع إلى الانفصال الجغرافى. وحينما قامت الثورة السورية، انخرط فيها شباب الأكراد بنشاط حتى ارتمت المعارضة السورية فى أحضان أنقرة فتوجس منها الكرد وتسممت العلاقات التى كانت لتوها بادئة بالتحسن.

ولعل من أبرز قادة الأكراد السوريين السيد مشعل تمو الذى اغتيل فى بداية الثورة بأيدى من يريدون دوما فصل الحراك الكردى عن العربى فى قلب سوريا. أما فى العراق فغداة الغزو الأمريكى لبغداد رحب الأكراد بـ«التحرير» وبالتأكيد لم يكن متوقعا منهم الدفاع عمن استباحهم بشتى أنواع السلاح. وسريعا تسممت العلاقات العربية- الكردية فى قلب العراق، ضمن نزاع على حدود المحافظات ومدى صلاحيات إقليم كردستان بمواجهة السلطة المركزية لحكومة بغداد. وأذكر حينها الجدل المحموم عن ضرورة تفكيك وتسريح البشمركة «جيش» والأسايش «شرطة» المضطلعين بحماية إقليم كردستان، تماما كما تم بغباء شديد حل شرطة وجيش العراق.

***

اليوم وبمواجهة «داعش» لابد أن نحمد الله أن «البشمركة» لم تـُحل، وأنها قد وقفت بوجه «داعش» عندما فر الجيش العراقى الذى شُـيد على أساس طائفى هش. اليوم يستضيف إقليم كردستان العراق نحو 310 آلاف لاجئ سورى كردى فروا منذ 2013 من اضطراب الأوضاع بالحسكة، ثم عندما هاجم «داعش» كوبانى فاضطرت نحو 350 قرية للجلاء فى ثلاثة أيام فقط. وبالمثل يستقبل الإقليم منذ صيف 2014 وسقوط الموصل نحو مليون ونصف المليون نازح عراقى فروا من الموصل والأنبار، عندما حل الطوفان الداعشى بها. ويستضيف أيضا نحو 400 ألف أزيدى فروا من جحيم السبى والمجازر الداعشية بجبل سنجار وسهل نينوى.

ورغم المشكلات الاقتصادية المتلاحقة التى حلت بالإقليم خلال العامين الماضين، لم يتأفف من تغيير النسيج السكانى بفعل نزوح العرب السنة إلى مناطق الكرد. لست بواقع الإشادة برحابة صدر الإخوة الأكراد العراقيين ولا بواقع المدح للأكراد السوريين الأحرار الذين واكبوا الحراك المدنى من أول يوم. ولكنى ببساطة أتساءل من علمنا أننا لكى نثبت هويتنا لابد أن نسحق هوية غيرنا؟ لماذا لا نمارس حريتنا ونحتفى بحرية غيرنا فى ذات الوقت؟ لماذا لا نحتفى بالمشترك بيننا بدلا من أن نؤكد على الاختلافات؟

عندما زرت مخيمات للاجئين سوريين أكراد بإربيل منذ أيام قليلة شعرت بالمشترك العربى الكردى مع السوريين الذين فروا من كوبانى والحسكة، وبالمثل شعرت بهذا المشترك، كلما تبادلت نكات الأفلام المصرية مع الأكراد والأزيديين العراقيين بإربيل. ربما تعثرت قليلا فى التفاهم اللغوى مع شباب الأكراد العراقيين الذين أفلتوا من قبضة البعث العراقى منذ عقود وتحرروا من عبء الحديث بالعربية. بينما تفاهمت فورا بالعربية مع الأكراد السوريين حديثى العهد بالتحرر من البعث السورى والذين يتحدثون العربية بطلاقة شيبا وشبابا. لا أفهم لماذا لا ننحى الخلافات الهشة جانبا لكى نبنى ثراء جديدا فوق المشتركات الثقافية الكثيرة بيننا. حكت لى إحدى السوريات الفارات من كوبانى، إنها ذهبت وعائلتها فى البداية لتركيا ثم غادرتها سريعا إلى العراق «لأن الأتراك لا يحبوننا نحن العرب «تقصد نفسها» ولا الكرد» «تقصد نفسها أيضا». ابتسمت لقولها وابتسمت أيضا لقول صديقى الكردى السورى الذى راسلته من إربيل فبالغ بالترحيب بى فى إربيل العراقية وهو السورى. ثم ابتسمت أكثر عندما تذكرت أننى منذ سنوات فعلت مثله عندما صرح لى صديق هولندى عن رغبته بزيارة سوريا فشجعته بحماس، وكأنها بلدى وأنا المصرية. قيدتنا الحدود المتوهمة بين القوميات وخدعونا عندما علمونا أن العربى ليكون عربيا بحق لابد أن يستعلى على غيره.

لماذا لا يتم إعادة جسور التواصل على أساس إثراء المجتمعات فى الدول ذات التركيب السكانى العربى والكردى من خلال كلا القوميتين؟ دعونا نصيغ صورة جديدة يكون فيها العربى بحق هو من يقبل ويحترم الآخر ويقبل بالجميع تحت سقف دولة القانون والديمقراطية والحريات المكفولة للجميع. لماذا يجب أن تكون عروبتنا صدامية دائما وإلا صارت مجروحة؟ أنا أريد عروبتى حاضنة للكل على أساس المساواة والكرامة والحقوق للجميع. أنا عربية وأقولها بصدق: من قلبى سلام لكردستان.

 

رابحة سيف علام باحثة بمركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالأهرام
التعليقات