شركاء ومنافسون لمصر فى إفريقيا - رخا أحمد حسن - بوابة الشروق
الأحد 9 مايو 2021 1:55 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما رأيك بمستوى الدراما الرمضانية حتى الآن؟


شركاء ومنافسون لمصر فى إفريقيا

نشر فى : السبت 8 يونيو 2019 - 10:20 م | آخر تحديث : السبت 8 يونيو 2019 - 10:20 م

تحتاج العلاقات المصرية مع الدول الإفريقية إلى مراجعة من عدة جوانب، فى مقدمتها المفهوم العام لهذه العلاقات ومدى ما طرأ على الأوضاع فى القارة السمراء من متغيرات، وتعدد وتنوع الشركاء على الساحة الإفريقية سواء من داخل القارة أو العالم العربى، ودور المنافسين الأقوياء باعتمادهم على تاريخ طويل من وجودهم فى إفريقيا وخروجهم المؤقت منها بصورة جزئية ثم عودتهم إليها بقوة بل وبناء على رغبة وطلب من الدول الإفريقية ذاتها.
أولا: بالنسبة للمفهوم العام للعلاقات المصرية الإفريقية الذى كان يستند على الدعم والمساندة المادية والسياسية لحركات التحرر الإفريقية حتى حصلت كل الدول الإفريقية على الاستقلال وأنشئت منظمة الوحدة الإفريقية، وأن إفريقيا كان لها صوت واحد قوى فى المحافل الدولية كافة وكانت مصر من أهم الدول القائدة فى القارة السمراء ــ هذا المفهوم أصبح تاريخا لا يتكرر ولكنه لا يكفى ليكون أساسا أو سندا للعلاقات المصرية الإفريقية. وذلك لعدة اعتبارات:
• تغير أولويات الدول الإفريقية من التركيز على الاستقلال السياسى، ثم التركيز على الاستقلال الاقتصادى، إلى مرحلة الحاجة الملحة إلى التنمية الاقتصادية والبشرية وبناء الدولة الحديثة، والحاجة إلى نهضة شاملة فى التعليم واستخدامات التكنولوجيا الحديثة، والرعاية الصحية ومواجهة الأمراض المتوطنة وتحورها، والحاجة إلى تعديلات فى الأدوية والعلاج كل فترة زمنية معينة. وهذا كله يتطلب الاستثمار فى الموارد الطبيعية والمعادن والصناعات التحويلية، والاتجاه إلى التصدير.
• رحيل القادة الكبار من زعماء التحرير الوطنى وتولى القيادة والسلطة فى كل الدول الإفريقية تقريبا قيادات من الجيل الثانى والأجيال الجديدة التى تربت وتعلمت بعد الاستقلال وأصبحت فى مواجهة تحديات جديدة من متطلبات التنمية ومطامع القوى الكبرى والدول المتقدمة، والصراعات الداخلية ما بين الروح القبلية المتأصلة فى المجتمعات الإفريقية، والرغبة فى إعلاء مفهوم الأمة والدولة والمصالح القومية على مصالح القبائل الجزئية.
ثانيا: أما بالنسبة للشركاء فى العلاقات المصرية الإفريقية فإنهم فى حقيقة الأمر شركاء من على بعد، بمعنى أنهم إذا كانوا يشتركون مع مصر فى التنظيم الإقليمى الأكبر وهو الاتحاد الإفريقى، أو فى تنظيمات شبه إقليمية مثل الكوميسا والساحل والصحراء، ألا أن بعض الشركاء من الدول الإفريقية أصبحوا منافسين جديين يؤخذون فى الاعتبار وخاصة بعد التحول الديمقراطى فى جمهورية جنوب إفريقيا عام 1994 وانضمامها لمنظمة الوحدة الإفريقية، وقيامها بدور نشط بعد أن تحولت المنظمة إلى الاتحاد الإفريقى. وتقود جنوب إفريقيا مجموعة السادك المكونة من 14 دولة تتداخل عضوية بعضها مع عضويتها فى الكوميسا مثل زامبيا وزيمبابوى. واستطاعت جنوب إفريقيا أن تقنع تنزانيا بالخروج من الكوميسا والبقاء فى السادك.
هذا إلى جانب شركاء آخرين منافسين مثل الجزائر ونيجيريا والمغرب وإثيوبيا وكينيا وبعض الدول الأخرى. وقد واجهت مصر عدة مواقف مع هذه الدول فى إطار المنافسة سواء على المستوى الإقليمى أو الدولى، وتفاوت وجهات النظر إزاء بعض القضايا، ومنها على سبيل المثال أنه إذا تم تعديل فى ميثاق الأمم المتحدة بالنسبة للعضوية الدائمة فى مجلس الأمن فحصلت إفريقيا على مقعد أو مقعدين، فمن الذى يشغلهما؟. وقبل أى تعديل فى ميثاق الأمم المتحدة حدث تسابق بين عدة دول إفريقية ومصر، من هذه الدول جنوب أفريقيا، والجزائر، وكينيا وإثيوبيا، ونيجيريا.
وثمة مواقف مع دول إفريقية أخرى من بينها دول حوض نهر النيل حول حقوق دول المصب وضمانات تدفق المياه إليها وفقا للقواعد الدولية لمياه الأنهار الدولية والحقوق التاريخية المكتسبة.
ثالثا: أما عن المنافسين من خارج القارة فما أكثرهم ولهم وجود قوى ومؤثر فى مسار الأحداث فى معظم دول القارة السمراء ومن أهم هؤلاء المنافسين:
• ما يعرف بمجموعة الدول الفرانكفونية، وهى التى كانت تستعمرها فرنسا وتركت فيها اللغة والثقافة الفرنسية والارتباط الاقتصادى لبعض المنتجات الأولية من المواد الخام والصناعات التحويلية، والتجارة فى هذه الدول. ونظمت فرنسا رابطة الفرانكفونية التى تضم جميع الدول التى سبق أن احتلتها فرنسا سواء فى إفريقيا أو المناطق الأخرى عن العالم. وقد تلقى أغلبية إن لم يكن كل القادة الأفارقة الجدد فى الدول الإفريقية الناطقة بالفرنسية تعليمهم العالى فى فرنسا هذا إلى جانب التعاون العسكرى بين هذه الدول وفرنسا.
• مجموعة الدول الأنجلوفونية، وهى التى كانت تستعمرها بريطانيا وقد بقيت بعد استقلالها فيما يعرف برابطة الكومنولث البريطانى والذى يضم الآن نحو 54 دولة من إفريقيا وآسيا ومناطق أخرى من العالم وترتبط هذه الدول مع بريطانيا بروابط اقتصادية وتجارية وثقافية وتعليمية وعلمية، حتى بالنسبة لبعض الدول التى تباعدت سياسيا عن بريطانيا. وتعقد رابطة دول الكومنولث البريطانى اجتماعات دورية منتظمة على مستوى القمة ومستويات أخرى بالتنسيق فيما بينهما.
• الوجود الصينى فى إفريقيا والذى بدأ مع استقلال الدول الإفريقية فى بداية عقد الستينيات من القرن العشرين وقدمت الصين مشروعات مفيدة أساسية كان من أولها خط السكة الحديد بين زامبيا وتنزانيا (تنزام) لنقل خام النحاس من زامبيا إلى الصين عبر موانئ تنزانيا، وتفاوت منحها للدول الأخرى ما بين مستشفى أو استاد رياضى أو مدرسة تدريب، إلى جانب المنح الدراسية وإيفاد الصينيين إلى الدول الأفريقية. وتركز الصين على ضمان حصولها على المواد الخام من إفريقيا لتغذية صناعاتها إلى جانب تصريف البضائع الصينية فى الأسواق الإفريقية.
• أما روسيا فقد ورثت نفوذا فى بعض المناطق فى إفريقيا، ولكنه تراجع بعد انهيار الاتحاد السوفيتى والتجربة الشيوعية فيها وتراجع التيار الاشتراكى فى إفريقيا وعودة الدول الغربية بقوة سواء الفرانكفونية أو الأنجلوفونية. وتحاول روسيا إحياء مراكز ارتكاز لها اعتمادا على ما تقدمه من أسلحة وبعض الصناعات، وكونها قوة كبرى وعضوا دائما فى مجلس الأمن فى الأمم المتحدة.
• انتشار الولايات المتحدة الأمريكية فى جميع أنحاء القارة السمراء وإن كان بدرجات متفاوتة من دولة إلى أخرى. وهذا الانتشار عابر للمجموعتين الفرانكفونية والأنجلوفونية، بل ومجموعة الدول الناطقة باللغة البرتغالية مع صغرها. وأصبحت واشنطن تجد منافسا لها فى مجال البترول والغاز وهى الصين. ومن الهيئات الأمريكية ذات التأثير الاقتصادى والتجارى فى إفريقيا هيئة الأمريكيين من أصول إفريقية. هذا إلى جانب النواحى الثقافية والتكنولوجية وأسلوب الحياة الأمريكى وجاذبيته لدى كثيرين من شباب إفريقيا.
• وتعتمد الهند على جالياتها فى إفريقيا جنوب خط الاستواء حيث يوجد فى الدول الإفريقية فى هذه المنطقة جاليات هندية قديمة وتعتبر جسورا تجارية وثقافية للهند. ويلاحظ هذا فى جمهورية جنوب إفريقيا ومنطقة شرق إفريقيا ودول الهضبة الإفريقية وهى زامبيا وزيمبابوى ومالاوى.
• اليابان وتعتمد على ما لديها من صناعات متقدمة خاصة صناعة السيارات والأجهزة المنزلية، وما تقدمه من مساعدات ومنح تدريبية من أجل تنمية علاقاتها الاقتصادية والتجارية مع الدول الإفريقية والتوسع فى إقامة فروع لمصانعها فيها.
ومن ثم فإن كل ما سبق إيضاحه بإيجاز يتطلب من مصر أن تطور علاقاتها مع الدول الإفريقية بالاتجاه المدروس إلى الاستثمار فى إفريقيا سواء فى مجالات الزراعة والثروة الحيوانية والصناعات التحويلية، والصناعات المتوسطة وزيادة معدلات التبادل التجارى مع الدول الإفريقية لإيجاد شبكة قوية من المصالح الفعلية المشتركة التى تصمد أكثر بكثير من العلاقات السياسية والاعتماد على الاكتفاء بتقديم المساعدات والمعونة الفنية والتى أصبحت دولا أخرى تنافسنا فيها بقوة.

عضو المجلس المصرى للشئون الخارجية وعضو الجمعية المصرية للأمم المتحدة.

 

رخا أحمد حسن عضو المجلس المصري للشئون الخارجية وعضو الجمعية المصرية للأمم المتحدة.
التعليقات