أفريقيا.. من ينقذ القارة المنسية؟ - محمد الهوارى - بوابة الشروق
الخميس 28 أكتوبر 2021 10:36 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما تقييمك لانطلاقة الأندية المصرية في بطولتي دوري أبطال إفريقيا والكونفدرالية؟


أفريقيا.. من ينقذ القارة المنسية؟

نشر فى : السبت 5 يونيو 2021 - 7:20 م | آخر تحديث : السبت 5 يونيو 2021 - 7:20 م

منذ أيام قليلة كنت أتحدث مع صديق يدير أحد أكبر الصناديق الاستثمارية العالمية العاملة فى قارة أفريقيا. هو يعلم أن الاستثمارات التى أديرها الآن هى فى دول معدودة فى شمال القارة ولكنه أيضا يعلم أن هناك تشابها كبيرا بين أحوال جميع بلاد القارة، وكذلك يعلم أننى لمدة خمس سنوات كنت عضوا فى إدارة أحد أكبر الصناديق الاستثمارية فى القارة ولى دراية بالأحوال الاستثمارية فى العديد من بلدانها. كان سؤاله: لماذا يبقى الاستثمار فى القارة صعب ولا يحقق الأهداف المرجوة؟ لماذا تكون نتائج الاستثمار فى أسواق المال بالذات ضعيفة إلا فى فترات معينة تكون فيه كل الظروف مهيئة، الكلمة التى استعملها هى Stars are aligned أى عندما تكون النجوم متراصة. كان ردى أن المشكلة الرئيسية هى أن افريقيا وكل بلادها ليست قصة نمو مستدام Sustainable Growth Story. هى تمر بفترات صحوة بشرط أن يكون المناخ العالمى فيها مهيأ ولكن هذه الفترة لا تستمر فتتلوها فترة خمول أو جمود.
القارة الأفريقية ينقصها الكثير لتتبوأ مكانة متميزة فى منظومة الاستثمار العالمى ولكنى أرى أن هناك ثلاثة عوامل اذا توافرت فستكون مفتاحا لحل كثير من مشكلاتها:
أولا: نظام حكم واضح. إذا سألت أى شخص عمن سيكون رئيس الولايات المتحدة بعد مائة عام فلن يستطيع بالطبع توقع من يكون ولكنه يستطيع أن يصف لك كيف سيأتى للحكم بنسبة ثقة تتعدى الستين أو السبعين فى المائة. أما إذا سألت نفس الشخص عمن سيكون رئيس زيمبابوى مثلا بعد خمس سنوات فقد لا يستطيع الإجابة أساسا. هذه القدرة على استشراف المستقبل لها أكبر أثر فى تقييم الاستثمارات. وكلما زادت نسبة الريبة فى المستقبل قلت قيمة الاستثمار. وبالتالى، فشركة فى الولايات المتحدة ستكون قيمتها أعلى بكثير من مثيلتها فى زيمبابوى بسبب وضوح الرؤية المستقبلية. بمعنى آخر، اذا قرر صاحب رأس المال أن يأخذ مخاطرة الاستثمار فى زيمبابوى فالسبب الوحيد سيكون أنه يتوقع نسبة ربح أكبر لتعويض ارتفاع المخاطر. وكلما قلت هذه المخاطر، كلما أصبحت قيمة الاستثمار أعلى وأفضل.
ثانيا: وجود نظام قضائى عادل وناجز. أغلب الدول الأفريقية تعانى إما من عدم تطور أنظمتها القضائية أو من إرث استعمارى خلّف أنظمة قضائية معقدة وبدلا من إعادة هيكلتها، تركت على حالها مع عوار فى التطبيق يتم علاجه بقوانين جديدة ينتج عنها أنظمة مشوهة وبطيئة. يتوقع المستثمر أنه اذا دخل فى صراع قضائى فسيتم حله سريعا طبقا لقوانين واضحة وعادلة عن طريق نظام قضائى لا يحابى جهة أو مؤسسة أو شخصا على حساب آخرين. غياب هذا الشرط يعنى أن نوعين من المستثمرين هما الذين قد يقبلون على الاستثمار فى القارة: إما أنه مغامر مستعد لمواجهة المجهول على أمل أن يستطيع التعامل والاستفادة من عوار النظام. أو غالبا مؤسسة تشترط معاملة خاصة للاستثمار ويكون ذلك غالبا فى ظل غطاء حكومى من دولة الشركة أو المؤسسة والدولة المضيفة. كلاهما يريد الاستفادة من النظام المعيب على حساب استفادة حكومة الدولة الأفريقية المضيفة.
ثالثا: نظام عدالة اجتماعية قوى. بمعنى آخر عدالة فى توزيع ثروات الدولة. أمريكا مثلا فشلت فى ذلك إلى حد كبير ورأينا مظاهرات كثيرة خلال العام الماضى وامتدت إلى أوائل العام الحالى؛ كان ظاهرها سياسيا ولكن باطنها كان غياب العدالة الاجتماعية. على ذلك، لو سألت شخصا عن النظام السياسى فى سويسرا وبعض الدول الإسكندنافية التى تحقق مستوى أعلى من العدالة لمواطنيها فستكون رؤيته أنها أوضح حتى من الولايات المتحدة. هى بلاد جاذبة للثروات بسبب وضوح الرؤية فيها مما يعكس الأمان. لعقود طويلة كانت وما زالت سويسرا ملجأ لثروات العالم لهذا السبب. هم يعلمون أن هذه قوتهم ويستغلونها. أغلب أغنياء العالم لهم حسابات فى سويسرا، ليس بغرض التهرب، فالتهرب لم يعد ممكنا بسبب معاهدات مشاركة المعلومات الدولية، ولكن بسبب استقرار البلد التى تعتبر القطاع المصرفى أحد أهم أصولها. العالم كله حتى الدول الأكثر تقدما يرى ان أمواله ومدخراته وحتى ذهبه فى سويسرا أكثر أمانا بسبب هذا الاستقرار. لا أدعو أن تصبح البلاد الأفريقية مثل سويسرا أو السويد ولكنى أقول إن العدالة الاجتماعية تعنى أيضا مناخ استثمارى أفضل.
إذا من أين يبدأ طريق الاصلاح.. أرى أن افريقيا تحتاج أن تبدأ بإرادة سياسية تريد التغيير للأفضل.. بعض الدول الآسيوية بدأت بمؤتمرات عالمية دعت لها أكبر متخصصين عالميين ومحليين بأجر مدفوع لرسم مستقبل الدولة للعشرين سنة المقبلة. إذا بدأت الدول الأفريقية الكبرى على طريق الاصلاح فستجذب الدول الأصغر لنفس الطريق. وقتها تستطيع المنظمات الأفريقية المختلفة أن ترسم لنفسها دورا أكبر عالميا يضع القارة على طريق النمو المستدام. هى معضلة النمو التى تعانى منها أغلب الدول النامية وإن كانت افريقيا ما زالت أكثر قارات العالم تأخرا فى النمو وازداد تأثرها بقلة امكانياتها فى مواجهة فيروس الكورونا اللعين الذى سيترك آثارا اقتصادية تعمق من جراح القارة السمراء.

محمد الهوارى مدير صناديق استثمار دولية
التعليقات